السلطة الدينية في المجتمع

مدونات - الدين والسلطة
قلنا في مقال سابق "المساواة الاجتماعية والإنتاج" بأن المجتمع الإنساني مجتمع طبقي بالضرورة وبأن هذا التقسيم الطبقي الذي يتسم به يولد صراعا دائما بين الطبقة أو الطبقات المقربة من القيادة والمستأثرة بالخيرات والثروات وبين الطبقة الكادحة التي تسعى من جهتها إلى تحقيق المساواة وتقاسم الثروات والنفوذ مع الطبقة التي تستأثر بكل شيء. وفي خضم هذا الصراع الدائم والمستميث تلجأ الطبقة الحاكمة إلى إجراءات وخطط وحيل تجعلها تضعف قوة المعارضين لها والمطالبين بالمساواة معها، كان ولايزال من أقدمها وأنجحها في عالمنا العربي والإسلامي؛ القتل والاعتقال.

لكن بالرغم من نجاح هذه الخطة في القضاء على كل أشكال الاعتراض والتمرد والعصيان، إلا أنها تحوي عيبا قاتل بها حيث أنها مؤقتة التأثير؛ فكلما قتل وسجن الحكام من الثوار إلا ويراكم الثوار ذاكرة وعزم أكبر لمواصلة معركتهم، مما يضطر الحكام إلى معاودة التدخل بالاعتقال والقتل لكن بشكل متزايد كل مرة، ومن هنا ظهرت حاجة الحكام إلى خطة مساعدة تقوم على تخدير وعي الطبقات الدنيا من المجتمع لثنيهم عن المطالبة بالمساواة الاجتماعية. فكان الدين هي تلك الأداة السحرية التي اعتمدوا عليها للسيطرة على وعي الشعوب.

النظام يسعى بالتوازي مع استغلال الدين للحفاظ على سلطته وامتيازاته، إلى تشويه هذا الدين وعزله وإفراغه من معناه وجعله على هامش الحياة محصورا في مساجد تفتح للصلاة فقط.

1 – صناعة السلطة الدينية
نعلم حق المعرفة بأن الإسلام دينٌ ثوريّ يكسب أتباعه شعورًا بالمسؤولية تجاه الناس وتجاه الله، والإسلام يخبرنا دونما مرة بتساوي البشر أمام الرّب. فلا فضل في الإسلام لغني على فقير ولا لأبيض على أسود ولا لحاكم على محكوم. هذه العقيدة الخالدة للإسلام لطالما كانت هي الباعث الأكبر لتحرك الشعوب المسلمة نحو التحرر من الظلم لذلك عمدت الأنظمة الاستبدادية لاعتباره أكبر تهديد لسلطته؛ فهو -أي الإسلام- أقوى محرك اجتماعي يدعو الناس لنيل المساواة داخل مجتمعاتهم. لذلك لجأت الأنظمة الاستبدادية لاحتكاره بغية السيطرة على الناس به وتحويله -أي الإسلام- لدين تبريري، يُكسب أتباعَه حالة رضوخ وقبول بالواقع غير العادل، حيث يروّج رجال هذا "الدين الجديد" إلى فكرة الإيمان بالجبر والقضاء والقدر، والتي تخدّر الناس وتحمي أصحاب الطبقات الاجتماعية العليا ويقوم كذلك على تبرير تملك فئةٍ قليلة للخيرات والثروات والسلطة وحرمان الأغلبية.

ومن أهم العناصر التي اعتمدت عليها الأنظمة الاستبدادية لصناعة مثل هذه السلطة جعل المساجد ملكا حصريا لها، كذلك ضم الأئمة والخطباء لسلك الوظائف فأصبحت هذه الأنظمة تمنحهم أجور شهرية لقاء أعمالهم في المساجد من أذان وإمامة صلاة وإلقاء دروس أو خطب الجمعة، كما وأصبحت تتحكم حتى فيما يجب تقديمه للناس من خطاب وأدعية لكي تنسجم مع مصالحها وتحقيق أهدافها، وكل من يخرج على الذي طلب منه قوله أو فعله فمصيره الطرد والإبعاد حتى لو كان من أكثر أهل العلم علما وكفاءة وأخلاقا.

هكذا يظهر لنا جليا بأن الأنظمة الاستبدادية صنعت سلطة دينية لإيهام الشعوب وتخديرها عبر السيطرة على المؤسسات الدينية واحتكارها من مساجد ودور القرآن ومنظمات للإفتاء، وكذلك عبر السيطرة على القائمين الدينيين والمشتغلين داخل هذه المؤسسات. مما مكنها بأن تصبح هي المتحكم في الدين والمتحدث الوحيد باسمه فصارت هي من ترسم له خطوط سيره بما يحفظ لها بقاءها والإبقاء على مصالحها.

2 – تدجين السلطة الدينية
لقد أصبحت المؤسسة المسجدية كما باقي المؤسسات الدينية تابعة للنظام نفسه؛ تسوق لإنجازاته وتحتفل بأعياده بل وتدعوا لهذا النظام ذبر كل صلاة. ولو كان الحاكم في صراع سياسي مع دولة أخرى فسيسوق عبر هذه الأبواق "الدينية" بأن الحرب على هذه الدولة جهاد في سبيل الله.

ولو أراد النظام الزيادة من إنتاجيته روّج عبر هذه السلطة الدينية بأن سرقة ساعات العمل حرام، لكن لو اشتكى الناس بأن النظام ظالم من حيث استغلاله لهم وعدم دفعه أجور تتناسب مع العمل الذي يقومون به وساعات عملهم، فيستحيل بأن تتكلم هذه السلطة الدينية عن ظلم هذا النظام للناس، وذلك لسبب بسيط فهذه الأخيرة -أي السلطة الدينية- تدين للنظام بأنه هو من يدفع لها ولن تستطيع انتقاد الطرف الذي يدفع لها، وبالمقابل ستقول لهم هذه الأبواق "الدينية" بأن كل ما تعاونونه ما هو إلا بسبب أعمالكم وأخطائكم ونقص في إيمانكم والله يعاقبكم عليها، فيضخمون الأخطاء الصغيرة للناس ويتناسون ويتغاضون عن أخطاء النظام الجسيمة. لدرجة أن النظام نفسه يصبح يصدق بأنه على الحق لأن رجال الدين جميعا يقولون عنه ليل نهار بأنه على الطريق الصحيح ومؤيدون لما يفعله ويدعون له بالتوفيق والسداد فيزيد في ظلمه للناس دون أن يحس بأنه يظلم.

كذلك فالمبالغة في الوعظ وكثرة الفتاوى عن أشياء سطحية وتضخيمها واعطاءها مكانة وحجم أكبر منها تجعل من الصعب على الناس أن يطبقوا هذا الكم الهائل من الأحكام -التي غالبيتها العظمى هي أصلا فرعية فقط- دفعة واحدة وعندما يحاول الناس تطبيق هذه الأحكام لا يتمكنون من ذلك فيقومون بتغيير ما يمكنهم تغيره فيلجؤون إلى التغيير الأسهل الشكل الخارجي- ولكي يتخلص الفرد من تأنيب الضمير جراء عدم التزامه الكامل بكل هذه الأحكام يلجأ بما بقي لديه من طاقة إلى الضغط على من حوله ومحاولة اقناعهم بأن يقوموا بمثل ما قام به من تغيير، وإن لم يوفق في إقناعهم أو اجبارهم على هذا التغيير سيتوجه لانتقادهم أشد النقد.

الإسلام حياة وإيجابية ومغالبة لطبع الخنوع والخضوع وكبح لنوازع الطغيان وهبة روحية مضادة للظلم وثورة على الاستبداد. ولا يجب بأي شكل من الأشكال الحجر عليه أو احتكاره أو تدجينه لخدمة شخص أو نظام معين.

وبالتالي يصبح شخص مزدوج الشخصية يدعوا الناس للالتزام بأشياء هو أصلا ليس ملتزما بها، فتستنزف طاقته بين الاهتمام المبالغ فيه بأشياء ثانوية ومحاولة اقناع الآخرين للاقتناع بأن أسلوبه هو الأسلوب الناجح للرقي الديني والإيماني. ومثل هؤلاء لن تجدهم إلا على هامش الحياة ولن تتوقع منهم أن يفهموا حقيقة أن الدين ليس فقط أحكام جامدة تطبقها والسلام، ولن يفهموا بأن الإسلام لن يتلاءم أبدا مع الظلم والاستبداد والطغيان.

والأخطر من ذلك كله هو أن النظام يسعى بالتوازي مع استغلال الدين للحفاظ على سلطته وامتيازاته، إلى تشويه هذا الدين وعزله وإفراغه من معناه وجعله على هامش الحياة محصورا في مساجد تفتح للصلاة فقط. فلا تكاد تجد له أثرا في حياة الناس وذلك باعتماد نمطية للخطاب الديني تكون من السطحية والركاكة لتجعله مملا بل ومكروها عند الناس (وكم من أناس ناموا والخطيب يتلو خطبته يوم الجمعة). مستغلا لأجل ذلك كل طاقاته وما تحت يده من اعلام وقوانين وأمن لاضطهاد المتدينين والتضييق عليهم وتشويههم وحرمانهم من المناصب الوازنة في المجتمع، لكي لا يكون لهم وزن وحضور في مجتمعاتهم ولكي لا يصبحوا قدوات لغيرهم.

الإسلام حياة وإيجابية ومغالبة لطبع الخنوع والخضوع وكبح لنوازع الطغيان وهبة روحية مضادة للظلم وثورة على الاستبداد. ولا يجب بأي شكل من الأشكال الحجر عليه أو احتكاره أو تدجينه لخدمة شخص أو نظام معين. وكل من ساهم في كل هذا فقد خان رسالته في خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم.