أزمة المناخ والدور الإسلامي

BERLIN, GERMANY - JUNE 02: Members of the German Greens Party (Buendnis 90/Die Gruenen) protest outside the U.S. Embassy against the announcement by U.S. President Donald Trump the day before that he will pull the USA out of the Paris Agreement on June 2, 2017 in Berlin, Germany. Politicians and governments across Europe have reacted with dismay and frustration over Trump's decision to pull the world's second biggest emitter of greenhouse gases out of the Paris Agreement. Nearly all the world's acountries signed the agreement in 2015 with the goal of setting a limit to global warming in an effort to counter climate change. (Photo by Sean Gallup/Getty Images)

لم يكن من الممكن أن يصمت العالم أو يتجاهل طويلا المشاكل البيئية الخطيرة التي يتعرض إليه كوكبنا الأزرق الجميل، إذ أن النتائج المدمرة التي نتجت عن سعي الإنسان المتواصل إلى تعزيز سيطرته وسطوته وطرق تحكمه في الموارد البيئية، إضافة إلى عقلية الإنتاج والاستهلاك المرتبطة بنمط الاقتصاد الرأسمالي، قد بلغت حدا جديدا أضحى معها مستقبل الكوكب في خطر وجودي حقيقي. ورغم أن البنية السياسية والاقتصادية للعالم اليوم لا تسمح بأي تغيير واسع وقريب للآلية الاقتصادية ونتائجها المدمرة على البيئة، إلا أن هناك أصواتا معارضة لفتت الانتباه إلى هذه المخاطر المتصلة بمشاكل المناخ والتغير الحاصل في التنوع البيولوجي على كوكب الأرض.

ومع تزايد الأصوات القادمة من الحركات الإيكولوجية والمنظمات العلمية والمدنية التي تشير إلى هذه المخاطر وتدعو إلى سياسيات تحد من التغول والتلوث الذي ينتجه الإنسان، بدأت العديد من الدول في وضع هذه المشكلة على أجندتها السياسية و إن لم تكن بصورة ملحة تتناسب مع حجم هذه المخاطر لوجود عوائق اقتصادية وسياسية وفلسفية تعيق من إعادة النظر في كل التراث الغربي وطريقة تعاطيه مع كثير من القضايا أهمها علاقة الإنسان مع بيئته.

قد يبدو من الطبيعي أن تتأخر كثير من الدول في المبادرة إلى المشاركة بشكل حقيقي في إيجاد إطار فعال لمشاكل البيئة، إذ أن كثير من الدول ما زلت مرتهنة بالنمط الاقتصادي الاستهلاكي وعاجزة عن النهوض باحتياجاتها الحقيقة.

وقد شهد العالم فصلا مهما من رؤيته للوجود على الكوكب وعجزه المتواصل والمتزايد في كبح جماح غطرسته في مؤتمر باريس للمناخ والذي شهد انسحابا أمريكيا من اتفاقية باريس للمناخ، وقد ووجه الانسحاب الأمريكي بردود قاسية من قبل العديد من الدول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا التي اعتبرت القرار الأمريكي انتكاسة للجهود المبذولة في سبيل الحد من مشاكل البيئة، وقد قامت العديد من الجهات الحكومية وغير الحكومية في العديد من الدول وحتى في داخل الولايات الأمريكية بمعارضة الموقف الأمريكي ، فقد أعلنت بلدية نيويورك ولوس أنجلس معارضتهما لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وتعهدتا بمواصلة السعي لتعزيز السياسات الصديقة للبيئة.

إن القرار الأمريكي بالانسحاب من اتفاقية المناخ يشير إلى مشاكل حقيقية داخل النظام الدولي، أولى هذه المشاكل تتجسد في الخلاف الذي بدأ يظهر على السطح بين نمطيين اقتصاديين، أحدهما يحاول إعادة تحفيز عجلة الاقتصاد بعد حالة الركود الذي شهدها العالم في السنوات الماضية عن طريق الاستمرار في نفس النمط الاقتصادي الذي شهده القرن العشرين والمتمثل في التركيز على الإنتاج وتوفير فرص العمل على حساب المشاكل البيئية ونمط اقتصادي آخر يحاول إضافة العامل البيئي على معادلة الاقتصاد ولو بشكل جزئي لمواجهة الأخطار المحدقة بالعالم.

ثانيا، يشير القرار الأمريكي إلى أن الإنسان أصبح أسيرا لسياسته ولنمط حياته، وأن نمط الإنتاج والاستهلاك الذي يسود العالم لم يعد ترفا بل أضحى سببا وعائقا في نفس الوقت لاستمرار وجود الإنسان، فبدون هذا النمط الإنتاجي لا يمكن لثمانية مليار إنسان أن يلبوا احتياجاتهم اليومية وأن يجدوا فرصا للعمل لإعالة أنفسهم، وفي المقابل فإن استمرار هذا النمط بهذه الوتيرة يعرض وجود الإنسان على كوكب الأرض للخطر بل يجعل وجود الأرض وصلاحيتها للحياة محل تساؤل حقيقي مع غياب قدرة حقيقية لتغير هذا النمط، فالدول أضحت أيضا أسيرة لاقتصاداتها، وطريقة إدارتها لمشاكل الاقتصاد والبطالة تشير إلا أن هذه الدول لن تستطيع في أي وقت قريب عن إيجاد أي مقاربة حقيقية لمشاكل البيئة.

في سياق هذا العرض يبدو أن الدول الغربية والاقتصادية الكبرى هي اللاعب الوحيد على مسرح الأرض لقصة يدور محورها حول وجود الإنسان وطريقة حياته على كوكب الأرض، بيد أن الدول التي تقع في نهاية السلم الإنتاجي والحضاري تشارك في الأزمات البيئية بنمط سلوكها لكنها غائبة عن أي طرح حقيقي سياسي أو فكري لهذه المشاكل.

بات من الضروري اليوم للفلسفة الإسلامية والفكر السياسي أن يأخذ مسألة البيئة على محمل الجد وأن يتم اعتبار حفظ الأرض وإعمارها هو مقصد أول لمقاصد الشريعة الإسلامية.

قد يبدو من الطبيعي أن تتأخر كثير من الدول في المبادرة إلى المشاركة بشكل حقيقي في إيجاد إطار فعال لمشاكل البيئة، إذ أن كثير من الدول ما زلت مرتهنة بالنمط الاقتصادي الاستهلاكي وعاجزة عن النهوض باحتياجاتها الحقيقة مما يجعل أجندتها مليئة بالحلول قصيرة الأمد لمواجهة أزماتها ومشاكلها الداخلية.

وعند النظر إلى العالم الإسلامي نرى أن معظم المجتمعات الإسلامية تخوض صراعات عميقة بشأن مفاهيم إدارة الدولة وتنظيم المؤسسات بالإضافة إلى إشكاليات ثقافية واقتصادية تشكل عائقا أمام هذه المجتمعات لربط واقعها مع واقع العالم من أجل إيجاد حلول أكثر فاعلية. ليس من المقبول أن تظل الصراعات السياسية والفكرية في الوطن العربي مشابهة لتلك الصراعات التي خاضتها الأمة الإسلامية منذ القرن التاسع عشر والتي تلخصت في صراع هوياتي مستمر بين منطلقات الفكر الإسلامي والفكر الغربي، فنقد الفكر الغربي مع الموروث الديني هو ما يحتاجه العالم الإسلامي والعالم اليوم، وليس من المقبول ألا يشارك الفكر الإسلامي في معالجة قضايا ملحة كالوضع البيئي ومستقبل التكنولوجيا في العالم.

في القرن العشرين قام العلامة الطاهر ابن عاشور بإضافة الحرية كمقصد سادس وأساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية، وأعتقد أنه بات من الضروري اليوم للفلسفة الإسلامية والفكر السياسي أن يأخذ مسألة البيئة على محمل الجد وأن يتم اعتبار حفظ الأرض وإعمارها هو مقصد أول لمقاصد الشريعة الإسلامية، إذ أن كل المقاصد الأخرى مبنية على وجود الإنسان في الأرض ولا إمكانية لتحقيق بقية المقاصد قبل أن يتم تحقيق هذا المقصد الأساسي.