بلسانٍ عربيٍ مبينٍ!

blogs - reading
حسنًا،ا إنها الواحدة بعد منتصف الليل بتوقيت القاهرة، وقرابة الرابعة عصرًا بتوقيت ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة. تجلس "ميشيل" ذات الخمسة أعوام ونيف أمام " كاميرا" حاسوب والدتها. بملامحٍ باكستانيةٍ مميزةٍ. شعر شديد السواد ينسدل خلفها تضع من فوقه قطعة قماش كحجابِ لا تستقر مكانها فتنشغل بها بين الحين والآخر.

تقرأ بصوتٍ طفوليٍ مشاغبٍ حروف الهجاء العربية من الألف حتى الياء بلكنة انجليزية تغنيها كأغنية عذبة برقةٍ أنثويةٍ. تتعرف على الفتحة والكسرة والضمة، تميز بينهم وبين طريقة نطق كل حركة عن الأخرى. تحدثني عن مدرستها ومدرسيها وصديقتها المقربة ياسمين وعن حقيبتها الوردية التي تحبها. ترسم لي شجرة بشكل عشوائي وبيت صغير يختلف عن بيت ابنة خالتها "زويا" ذو الحديقة الكبيرة ودرجات السلم العالية.

تبدو عملية تعليم الأطفال عمومًا متعبة ومرهقة وشاقة وأصعب ما فيها المسؤولية، لأن ما تزرعه أنت اليوم سوف تجنيه أيضًا بعد أعوامٍ قليلةٍ. فكيف إذًا بتعليم الصغار من جنسيات مختلفة وبيئات مختلفة ولغة أخرى غير لغتك الأم كيف يقرأ الأحرف العربية. وما هو المد؟ وماهي حروفه الثلاث؟ وماهي أنواعه؟ والسكون والتنوين وأحكام التجويد وكل ما يتعلق باللغة العربية وتعليمها وكيف تقرأ القرآن؟!

تعرفت إلى شخصيات مختلفة، مسلمين يبحثون عن دينهم في أي شيء. منّ الله عليّ بأن أسمع وأشاهد ردة فعلهم عندما يستطيعون قراءة كلمة تلو الأخرى من آيات الله.

قبل قرابة ستة أشهر بدأت في تجربة عمل جديدة أزعم أنها غيرت فيّ الكثير وأني أتعلم منها كل يوم شيء مختلفا تمامًا. قبل انصرام العام الماضي أنعم الله عليّ بفرصة للعمل كمدرسة للقرآن الكريم عن بعد للأطفال والنساء الأجانب الذين يعيشون في الدول غير الناطقة بالعربية.

 لم تكن مهنة التدريس يومًا ما من اهتماماتي بل إنني لم أحبها يومًا، لا عندما كنت طالبة ولا حتى بعد التخرج. لما أرى فيها من رتابة شديدة وأنا شخص لا أحب الرتابة وأصاب بالملل سريعًا كذلك أنا فوضوية بعض الشيء ولا أحب الالتزام بدوام عمل ومواعيد محددة للحضور والانصراف ويترتب عليها مواعيد محددة للنوم والاستيقاظ كل هذا لا يروق لي ومجرد التفكير فيه يزعجني جدًا!

لذلك كانت التجربة كلها غريبة ومختلفة ومثيرة للاهتمام. قررت أن أخوضها وأكتشفها بحلوها ومرها كما يقال! كان ينبغي عليّ أن أتعرف على المنهج الذي سوف استخدمه خلال عملي وآلية سير الدروس وما إلى ذلك. لم يكن الأمر مملًا على الأقل بالنسبة لي قد تجاوزت هذة المرحلة تمامًا أصبح الآن بداخلي شغف لكل المراحل القادمة.

قرأت كثيرًا حول الموضوع ( كما أسلفت التدريس بشكل عام مسؤولية وتدريس وتعليم القرآن وما يتعلق به مسؤولية مضاعفة وعمل ليس هين أبدًا) تحدثت مع صديقات لي يعملن في نفس المجال حتى أكون في الصورة. خضعت لفترة تدريب مكثفة لمدة أسبوع ثم انطلقت، كانت المرة الأولي لي مع ميشيل وأخوها زكريا! ربما فيما بعد أصبح عندي طلبة أخرين من أعمار وبلدان مختلفة لكن ينبغي عليّ الاعتراف أن لميشيل وزكريا مكانة مميزة عندي ربما لأنهما أول الغيث.

خلال عملي تعرفت لشخصيات مختلفة مسلمين يبحثون عن دينهم في أي شيء. يبحثون بإيمانهم البسيط. منّ الله عليّ بأن أسمع وأشاهد ردة فعلهم عندما يستطيعون قراءة كلمة تلو الأخرى من أيات الله المحكمات. مجرد قراءة وحسب لكنها تجعلهم يشعرون كمن عانق السماء فرحًا. تخبرني آمنة وهي شابة من أصول إفريقية تعيش في أمريكا عن سعادتها لأنها تعلم أن هذه الأحرف البسيطة والقراءة المتلعثمة تزيد صلتها وقربها من الله!

تخبرني آمنة، وهي شابة من أصول إفريقية تعيش في أمريكا عن سعادتها لأنها تعلم أن هذه الأحرف البسيطة والقراءة المتلعثمة تزيد صلتها وقربها من الله!

مع الوقت ستكتشف أن الأمر ليس صعبا تمامًا كما توقعت، لكنه يحتاج إلى ذهن حاضر وصبر ونفس طويل في نفس الوقت لأنك ربما في لحظة ما حينما تسأل أحد طلابك عن حرف ما أو تطلب منه أن يقرأ كلمة ما ربما لا يتعرف عليها البتة، وتشعر أنت حينها بالخيبة والفشل الذريع لكن سرعان ما تعود أدراجك وتحاول معه مرةً أخرى حتى يتذكر من جديد!

بالنسبة لي هنالك شعور غريب أشعر به دومًا خلال عملي. شعور ممزوج بين المسؤولية والفرح! في تلك اللحظة التي يقرأ فيها عليك القرآن طفل أو امرأة أعجميان يعيشان في أقصى بقاع الأرض فتشعر أن صوتهم قد لامس شيئا في قلبك وقر، وأن ليس ثمة ما يصف شعورك أبدًا! في تلك اللحظة يتجدد شعورك وشغفك لأنها في كل مرة لا تشبه ما سبقها وتقع عليك أنها المرة الأولى! أنا يا إلهي ممتنة لك على كل هذا الجمال. وأسألك القوة والمدد!