رمضان.. إذْ يرقى بكثير من الذُكور لمرتبة الرجال

تتنفس سيدات مجتمعنا الكريماتُ الصعداء خلال الشهر الكريم، يهنأُ لهنَ البال ولو إلى حين من التحرش اليومي لكثير من الذكور بهن في دروب الحياة اليومية المختلفة. في رمضان تُصبحُ مرآة تعاملِ الذكور مع الجنس اللطيف ناصعة عاكسة لأدبٍ غير معهود. ولا أختلفُ معك آنستي سيدتي إن قلتِ أنَ بعضا من مضايقات الأشهر الإحدى عشر الباقية تظل حاضرة حتى في نهار رمضان وإنْ قَلتْ درجاتها، فليسَ غريباً أنْ لا يُلجَم شذوذ فكر كثيرين في أيام معدودات وهم الذين استأنسوا حياة بعيدة عن قيم الدين وأُسس الأخلاق – فمن شب على شيء شاب عليه.
لَكَمْ راقني ذلك المشهد السريالي وأنا أتجول في شوارع الرباط الكبرى في نهار ثالث أيام رمضان، تمر حشود غفيرة جيئة وذهاباً، في احترام تام للمارات من الآنسات والسيدات دون مضايقات تُذكر، دون تلك الإيحاءات والعبارات التي تبعث على الغثيان، دون الإصرار على ملاحقة أنثى بعينها وكأنها فريسة لا حُظوة ولا اعتبار لكينونتها، دون تلك السيارات المتراصة التي تشابه سرعتها مسير جمل متربصة بالأرصفة غير آبهة بحرمة الشارع العام وسالكيه.. ولا شك أن الأمرَ ينطبق على كل قُطر من أقطار عالمنا العربي.

يستمر المشهد السريالي طيلة النهار، على متن الترامواي تجد الأبصار غير آبهة بمن يمر أمامها وحتى وإن أمعنت النظر سرعان ما تشيح بوجهها عن من يقابلها – ربما أن المؤثر هي نظرة الآخرين للناظر وتعَود كثيرين أن يتماشوا مع ما يستحسنه المزاج العام للمجتمع وإن أسروا في قلوبهم نية غير ذلك الفعل الذي يبدُر منهم- ورُبما أن رمضان بالنسبة لهم كفترة التدريب العسكري حيثُ يُمنع على النفس الإتيان بأشياء دون أخرى ويمارس عليها نوع من القسوة تخرجها من رمضان أقوى وأقرب لله، أو رُبما أن في ذلك محاكاة منهم لواقع حياة المُثل وسمو الأخلاق وما تجلبه للنفس من قناعة ولين في التعامل.

ولعله أمرٌ مستحب أن نلحظ ونستشعر كل ذلك التغيير على مستوى سلوكيات الأفراد قبل الجماعات، قد يصوره البعض نفاقا اجتماعيا يدرج عليه عديدون في شهر الصيام ثم سرعان ما يعودون إلى عادتهم القديمة بعد انقضائه، لكنهُ فعل محمود.

في نهار رمضان تُغلق المقاهي أبوابها وهي التي تعج في باقي الأيام بالجالسين لساعات على أعتابها، المستلْقين على كراسيها متناسين أشغال يومهم ومسؤولياتهم. وأنا بصدد كتابة هذه الأسطر يحضرني وصف صديقةٍ لذلك المشهد بلجنة التحكيم، ذلك أن الجالسين على أرصفة المقاهي يحركون رؤوسهم يمنة ويسرة مطيلين التدقيق بنظراتهم الفاحصة في كل سيدة مارة أمامهم ! أعلمُ أن الوصف مضحك مبك لما آلت إليه عقلية كثير من الرجال في مجتمعاتنا، في دين مبدأه نقاء الفكر ولما آل إليه مفهوم الوقت وقيمته من تبخيس وما آلت إليه قيمة الأنثى وقيمة الحياء.

هي قيم غنية بتيماتها الحافلة بنبل المقاصد تنصهر بفعل تراكم عوامل متعددة اجتماعية وتعليمية وفكرية فتعوضها سلوكات دخيلة أسهم الإعلام في استفحالها. ولا عجب أن يستسهل بعضهم الأمر ويدرجه في خانة تطور زماننا ومواكبة انفتاح عصرنا، وما هو بتطور بل التخلف بعينه إذ يغيب الوازع الديني والأخلاقي وتهيمن الماديات الموغلة في السلبيات.

ولعله أمرٌ مستحب أن نلحظ ونستشعر كل ذلك التغيير على مستوى سلوكيات الأفراد قبل الجماعات، قد يصوره البعض نفاقا اجتماعيا يدرج عليه عديدون في شهر الصيام ثم سرعان ما يعودون إلى عادتهم القديمة بعد انقضائه، لكنهُ فعل محمود، فأن تعرف تمظهرات بعينها تغييرا جذريا من حيث السلوكيات أو التعامل في أيام معدودات فذلك دالٌ على أن شحذ النفوس وتحبيب طيب الطباع لها متحققٌ ولو بعد انقضاء رمضان إن النفس هُيئت لترقى لكريم الأفعال والأخلاق.

رحم الله من عرف قدره وقوم نفسه وأحسن مع الناس تعامله، رحم الله من جعل في صميم مبادئه في الحياة احترام الأنثى وتقديرها وعاملها ووفى معاملتها كما يحبُ أن تُعامل أمه، أخته، زوجته.

استفزني قول أحدهم ذات مرة أن الشياطين التي تُصفد في رمضان هي ذاتها التي تبثُ في النفس شغبها وتمردها في باقي الأيام وهي ذاتها التي توسوس للأنثى بفتنة الرجال، والصحيح أن النفسَ إن عودتْ على بروتوكول الأدب والحياء وإن هي تمسكت بالعروة الوثقى لا هَمها شيطان ولا جان. ينقضي رمضان ويبقى رب العباد، فالله المعبود لا رمضان، وكذلك هي الأفعال والأعمال تُرفع لخالقنا كل آن لا فقط في رمضان، وسيرة الإنسان الطيبة في مجتمعه لا يشفع لها رمضان شيئا إنما هي رهينة الأيام المتتالية.

سيداتي سادتي، لم تكن الرجولة ولا الشهامة مرهونتين برمضان دون غيره، فمن الرجال من تجدهم ثابتين على تربية لُقنوها في صغرهم أبد الدهر. الأصيل ابن الأصيل ذلك الذي يمتثل لتعاليم دينه ومبادئه دون أن ينصاع وراء ما تمليه الصورة العامة للشارع في مجتمعه بتمثلاته الظاهرة. الأصيل ابن الأصيل من يرى في كل أنثى أُم المستقبل، مربية الأجيال، شريكة بناء الوطن فيدين لها باحترام متأصل هي أحق وأولى به، الأصيل ابن الأصيل من عاش ومات على الحياء والاستحياء من ربه قبل الالتفات للناس واستجداء رضاهم على شخصية يصطنعها أمامهم.

رحم الله من عرف قدره وقوم نفسه وأحسن مع الناس تعامله، رحم الله من جعل في صميم مبادئه في الحياة احترام الأنثى وتقديرها وعاملها ووفى معاملتها كما يحبُ أن تُعامل أمه، أخته، زوجته، فالتزم بذلك بزين صفات الرجولة وكمال الشهامة مهما تعاقب الليل والنهار.



حول هذه القصة

عقب سيطرة المجموعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق على طرابلس، يتوقع سياسيون تكرار سيناريو بنغازي، فقد أقدم مسلحون على هدم وحرق منازل تابعة لشخصيات مقربة من حكومة الإنقاذ ودار الإفتاء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة