حراك الريف بين "البلوكاج" ولهيب الاحتجاج

في مقالة سابقة تحت عنوان بلادة الاستبداد بين المشرق والمغرب كنا قد أشدنا بالتجربة المغربية المتميزة، وقلنا مفتخرين ومبشرين بها: "إن المتتبع لبلادة الاستبداد العربي، وما تجلبه على شعوبها من ويلات وبلاء، وكذا ما تجره على أصحابها من سخرية ومقت واستهزاء، لا يسعه إلا الإشادة حقا بالتميز المغربي"! ولكن بعد حين من الدهر تعرضت هذه التجربة الفتية لتحرش عقبري أفقدها نكهتها الخاصة، وطعمها المغربي المتميز، وأفسد على الناس فرحتهم بالعرس الديمقراطي الجديد، وعكر نشوتهم بتحول هادئ وسلس نحو مجتمع راقٍ تُحترم فيه الإرادة الشعبية، وتزدهر في جنباته الحرية، ويتمتع مواطنوه بالكرامة، وتعم العدالة ربوع المملكة!
هكذا حلمنا بسذاجة طفولية! ولكنها فرحة لم تدم، إذ سرعان ما أثير غبار غريب حولها، وعَمّها العُجاج، وهجم وحش كاسر عليها يقال له البلوكاج، وها نحن نعيش حاليا ما خلفه لنا من إحباط وزلزال واحتجاج!

الحقيقة المؤلمة التي يتجاهلها بعض الخبراء والمحللون سهوا أو قصدا؛ أن كلا من البلوكاج والاحتجاج انطلقا معا في زمن واحد، وإن اختلفت الأماكن! ففي الوقت نفسه الذي طحنت شاحنة النفايات الشاب محسن، دارت آلة البلوكاج الجهنمية لـطحن ملايين الأصوات التي أودعها المواطنون الصناديق الشفافة في الأسبوع الأول من أكتوبر هذه السنة!

وفي الوقت الذي انشغلت أجهزة الدولة العميقة بإجهاض التجربة، وتحويل انتصار المصباح إلى انكسار، كان لهيب حراك الريف ينضج على نار هادئة! وفي الوقت الذي كان قادة الأحزاب المتمردون يتلقون الضربات المتتالية، تأديبا لهم، وإعادة اخضاعهم مجددا للسيطرة، كان حراك الريف يفرز قادته المحليين، بعيدا عن أعين السلطة المنشغلة بإحالة بنكيران على التقاعد المبكر، وهو في أوج عطائه وانتصاره! وهكذا في الوقت الذي كانت الدولة تطحن التجربة الفتية، وتعمم العقاب الجماعي على كل من سولت له نفسه خدلان الجرار المقرب من أصحاب القرار، كان حراك الريف يرسخ قناعاته التي توجت بإعلان كفره البواح بكل الوسطاء!

يبدو أن الدولة العريقة قد فوجئت بتصاعد الاحتجاجات وامتدادها وتوسعها، ولم تجد بين يديها المسكينة إلا الأساليب العتيقة لمواجهة حراك جديد، لذلك سارعت إلى استخراج أسطوانة الأجندة الخارجية الجاهزة، معززة ببعض التفاصيل منها الانفصال والتمويل الخارجي مع التلميح إلى التخابر مع العدو (الجزائر).

طعن الاستثناء وطحن الوسطاء
إن المتتبع لـحراك الريف المغربي، الذي نضج على نار هادئة دخلت شهرها الثامن، يخرج بخلاصة واضحة بينة تؤكد احتراق أوراق جميع الوسطاء بين الملك ورعاياه، وتكاد جل النداءات الفردية والجماعية والشعبية توجه رأسا إلى قمة الهرم، حيث يتربع صاحب الجلالة على عرش أسلافه المنعمين، وتكاد كل الأصوات المرفوعة من هنا وهناك تهتف فقط باسمه، وكأنها ريح عاتية عصفت مرة واحدة بكل الوسطاء بشتى مشاربهم وأصنافهم ومستوياتهم! فطيلة هذه المدة الممتدة لم يُسمع للسياسيين صوت! كما لم نرصد لـخدام الدولة أي حركة جادة في اتجاه احتواء الحريق! وذلك لأن رصيد سمعة هؤلاء يقترب من الصفر، ونصيب الثقة لأولئك يكاد ينزل إلى ما تحت الصفر، والدليل أنه لما طار الوزراء الثمانية بتعليمات سامية إلى المنطقة، وساروا في أزقتها المتواضعة لم يجدوا آذانا مصغية، ولم يستبشر الساكنة بحضورهم خيرا!

وهكذا أصبحت الأنظار والنداءات متجهة جميعها إلى السدة العالية بالله، فهو الوحيد الذي ما زال له في قلوب الرعايا رصيد من ثقة، وبصيص من أمل.. فهذا دكتور قال في آخر مقالته قبل أيام: "المواطنون ينتظرون تكفل صاحب الجلالة بمتابعة إنجاز المشاريع المعلنة فلا أمل إلا في جلالته". وهذه ناشطة ريفية، وإن اختلفت مع زملائها قادة الحراك، وابتعدت عن التنسيق معهم، فإنها عبرت عن قناعتها قائلة: "كنقولهوها دائما.. أن ساماجيستي هو السيد اللي كيخدم هاد البلاد مي باغ كونتغ محاطين به واحد مجموعة ديال الشلاهبية سمحوا لي على هاد المصطلح"! ورفع قائد الحراك الزفزافي صوته أكثر من مرة قائلا: "نوجه خطابنا إلى الملك.. هؤلاء يرفعون تقارير خاطئة عن هذا الحراك"!… وأخيرا هذه أم الزفزافي أجهشت بالبكاء وقالت بعد اعتقال ابنها: "هو ملك البلاد، حنا عندو كنبكيوا.. هو اللي عندنا ماعندنا حد.. خاص يشوف فينا… ويقبط لينا الحق ديالينا"!

ثم بدأت تطلع علينا عناوين في الصحف والمواقع ترفع نداءات بعض الهيئات من قبيل:  فاعلون يدعون الملك إلى التدخل لتهدئة الغاضبين في الريف، أحزاب سياسية ترفض تخوين رْياَفة وتراسل الملك بكتاب أبيض، نداء إلى الملك محمد السَادس للتدخل مباشرة بالريف على غرار 9 مارس! إنها كلها نداءات واضحة ذات وجهة واحدة، متجاوزة كل الوساطات الرسمية منها والشعبية وما بينهما، وكأن المملكة الشريفة خلت من الهيئات السياسية والمدنية والحقوقية، بل كأنها لم تعرف تشكيل حكومة منتخبة حديثا، بشرنا رئيسها بالتنمية ومحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي!

كتائب خدام الدولة المساندة:
بعد الفراغ المهول الذي خلفه انقراض الوسطاء، ونحن في هذا الظرف العصيب، كان لا بد من ملء الفراغ بما يناسب، ولما كان أصحاب القرار في انشغال تام عن الوضع الريفي بأمور أخرى! فقد ظهر الارتباك التام في التعاطي مع الاحتجاجات المتصاعدة، حيث هاجمت الحكومة وأغلبيتها بقيادة وزير الداخلية الحراك، وفي الغد مباشرة تتفهم المطالب الاجتماعية المشروعة، ثم تنتكس مجددا وتستعيد العصا مباشرة بعد التلويح بـجزرة لم يلتفت إليها أحد!

عندما تخرج امرأة حرة -بعد خطاب ملكي سام لامس وجدان الشعب ضد تجاوزات الإدارة – وتقول وهي تمسح دموعها: "لهلا يخطي علينا محمد السادس.. لو ما كانش الملك كون كالونا"! فإن هذا مؤشر واضح على ضرورة تغيير الوسيط.

يبدو أن الدولة العريقة قد فوجئت بتصاعد الاحتجاجات وامتدادها وتوسعها، ولم تجد بين يديها المسكينة إلا الأساليب العتيقة لمواجهة حراك جديد، لذلك سارعت إلى استخراج أسطوانة الأجندة الخارجية الجاهزة، معززة ببعض التفاصيل منها الانفصال والتمويل الخارجي مع التلميح إلى التخابر مع العدو (الجزائر)! بالإضافة إلى تعميم خطبة جمعة موحدة محذرة من أخطار الفتنة، كما لم يفتها أن تقع في فضيحة نشر تقارير مزيفة عن الحراك تضم صورا مفبركة لا علاقة لها بتاتا بالحراك الحالي، وذلك عبر التلفزيون الرسمي (يا حسرة)!

وإذا كان الجانب الرسمي قد عرف كل هذا الارتباك في تدبير الحراك، فإن المعسكر الشعبي لم يخل من تشنجات وتناقضات تثير الشفقة! فقد لاحظنا دخول كتائب النخبة للخدمة، وعلى رأسها الخبير محمد ضريف، والدكتور منار السليمي والباحث محمد معروف، وكذا المحلل محمد جبرون! فعلى اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم فقد توحدوا على استهداف الحراك والانخراط – طوعا او كرها- في محاولات محاصرته وشيطنة رموزه!

فإذا كان الخبير ضريف قد كشف لنا عن اختراق الحراك من السلفية الجهادية! وكان الدكتور السليمي قد فضح تقية قائد الحراك وعلاقته بـالشيعة! فإن كلا من جبرون ومعروف قد حذرا من زوال الدولة! وانزلاق الحراك الاجتماعي إلى أجندات مجهولة!

أما كم المقالات المخدومة، وسيل التصريحات، وطوفان الرسائل النصية المجهولة، التي غزت الهواتف الذكية للمواطنين داخل الوطن وخارجه، والمثيرة للسخرية أحيانا، فلا يوحدها إلا عدو مشترك فضل أن ينتفض وينتصب كـصاحب حق!

وأخيرا.. عندما تخرج امرأة حرة -بعد خطاب ملكي سام لامس وجدان الشعب ضد تجاوزات الإدارة – وتقول وهي تمسح دموعها: "لهلا يخطي علينا محمد السادس.. لو ما كانش الملك كون كالونا"! فإن هذا مؤشر واضح على ضرورة تغيير الوسيط وتجديد البطانة وتطوير الملأ، ليرقى إلى مستوى المرحلة، وينقذ البلاد ويُفرح العباد بالتخلص من الفساد والاستبداد!



حول هذه القصة

حمّلت أحزاب مغربية وزارة الداخلية مسؤولية التصعيد الذي تشهده مدينة الحسيمة شمالي البلاد، مطالبة بالإفراج الفوري عن جميع معتقلي الحراك الاجتماعي دون قيد أو شرط، مع رفض المقاربة الأمنية للأزمة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة