برنامج الصدمة والصدمة الحقيقية

قد تكون البرامج التي تركز على الجانب الأخلاقي للشعوب برامج هادفة نوعاً ما، خاصة أننا في عصر السرعة، السرعة والتكنولوجيا والتطور الإلكتروني الرقمي، السرعة التي ربما دعتنا أن نتجاوز عن كثير من الأخلاق والقيم والمبادئ التي نشأ عليها آباؤنا وأجدادنا والذين سبقونا.
لكن الكثير من هذه البرامج وتحديداً برنامج الصدمة الذي تدور فكرته حول كاميرا خفية وممثلين يقومون بتمثيل أدوار سلبية جداً مثل ابن يشتم أمه أو أباه، أو زوج يضرب زوجته في الشارع أمام الناس أو نادل يطرد فقيرا من المطعم بحجة شكله الغريب وملابسه الرثة وكل الأشياء السلبية التي لا يمكن أن نراها في الشوارع إلا نادراً جداً، يقوم البرنامج بجلبها لنا للشارع ليظهر ردة فعل الناس تجاه هذه الأفعال ويخبرنا أن الخير لا يزال موجودا وأن الإنسانية على قيد الحياة!

لكن في المقابل هذه الحالات التي يصورها وينفذها البرنامج في الساحات والأماكن العامة ترى هل هي تحصل حقيقة بهذا الأسلوب وما الغاية والأهمية من تصويرها سوى جلب المشاهدات والإعلانات، واستغلال الجانب العاطفي للمشاهدين، فالسواد الأعظم من الناس من الطبيعي وبأي مجتمع من مجتمعاتنا أن تتلقى هذه الأفعال الاستنكار من الناس لأنها شيء غير مألوف وخارج عن الأطر الأخلاقية والدينية والتربوية لمجتمعاتنا التي يستهدفها هذا البرنامج.

غالبية الشعوب العربية تهوى التعاطف الآني فقط، ولا تلبث سويعات حتى تعود تلك الطبيعة القاسية وتنسى تلك الشعوب التي تتعرض للقتل والتعذيب والتغييب، وتذهب للتعاطف مع الناس المنكوبين على الشاشات بمشاهد تمثيلية لترضي ضميرها الغافي.

لكن ومع تقدم حلقات وأجزاء البرنامج، يبدو أن له أهدافا ومآرب غير أن يجلب المشاهدات والإعلانات واستغلال العواطف، حيث تظهر إحدى الحلقات امرأة سورية أو (لاجئة سورية) كما يحلو لهم أن يصفوا السوريين. تتعرض للضرب والإهانة على يد مواطن عربي بمشهد تمثيلي، لمشاهدة ردود الفعل من الموجودين والتأكيد على أن النخوة ما زالت موجودة. لكن يبدو أن هذا المشهد سيرسخ لدى المشاهد نظرة الشفقة لهذا الشعب وربما تتحول بعد فترات إلى نظرة دونية.

مع كل هذه البرامج التي ربما يراد بها خيرا؛ لكن يبدو أن لهذا البرنامج وجه آخر غير ذاك الذي يعتمد على جلب المشاهدات والإعلانات واستغلال العواطف، بل أهدافه ربما أبعد من ذلك ويحمل رسالة باطنية لمشاهديه ومتابعيه العاطفيين، مفادها أنك إن ثرت يوماً على الطاغية الذي يحكمك فتأكد أنك ستكون إحدى السلع التي تشاهدها اليوم، وسنشحذ ممن يشاهدونك بعض التعاطف. وتأكد بأنك ستبحث عن الأمن والأمان فلن تجده إلا بظل حاكمك الميمون وستكون نهايتك المذلة عند جيرانك في إحدى الدول العربية فالسكوت السكوت والخنوع الخنوع.

صفة اللاجئين وصورة الأشخاص الذين يستحقون الشفقة تلك هي الصورة التي يريد القائمون على البرنامج والقنوات التي تعرضه ترسيخها لدى المشاهدين أثناء نظرتهم للشعب السوري أو الشعب العراقي أو كافة الشعوب التي دُمرت بلدانها وهجر أهلها على أيدي طواغيتها، حتى صار لسان حال الشعوب التي تفكر بأن تثور على الطغيان (الذل في الوطن أهون من الذل في دول اللجوء).
 
وفي هذا السياق، وبما أن غالبية الشعوب العربية تهوى التعاطف الآني فقط، أي التأثر بالموقف بنفس اللحظة ولا تلبث سويعات حتى تعود تلك الطبيعة القاسية وتنسى هذه الشعوب، تلك الشعوب التي تتعرض للقتل والتعذيب والتغييب، وتذهب للتعاطف مع الناس المنكوبين على الشاشات بمشاهد تمثيلية لترضي ضميرها الغافي.

فليتنا رأينا ردة فعل أخرى غير تلك "العاطفية فقط" مع حالة الطفل السوري الغريق "إيلان الكردي" الذي غرق في البحر وهو مهاجر إلى أوروبا ولفظته الأمواج الى الشواطئ التركية وانتشرت صورة ذلك الجندي التركي وهو يحمل جثة الطفل الغريق كما النار في الهشيم.

اتركوا هذه الشعوب التي تتاجرون بها وتكون مواد دسمة لحلقاتكم المصطنعة وشأنها. فالشعب السوري والشعب العراقي أكبر من الاستعطاف وهو أسمى من أن يرضى بزرع نظرة الشفقة تجاهه في عيون مشاهدي برامجكم

وليتنا رأينا ردة فعل غير "الشفقة" على الطفل عمران دقنيش الذي تم قصف منزله من قبل طائرات النظام السوري والاحتلال الروسي في مدينة حلب وانتشرت صورته بعد أن تم إنقاذه من قبل رجال القبعات البيض "الدفاع المدني السوري الحر" وهو جالس في سيارة الإسعاف تحت تأثير "الصدمة الحقيقة" صدمة القصف الذي أودى بمنزله وأدى لتعرض الطفل ووالديه وأخته لجروح، ومن ثم تخرج علينا شركة زين للاتصالات بإعلانها المأجور وتستثمر معاناة الطفل عمران وتصوره على أنه ضحية من ضحايا إرهاب داعش لتبرأ الشركة بإعلانها المجرم الحقيقي بشار الأسد وحليفه الروسي وتتهم مجرم آخر لغايات أيدولوجية وسياسية لا يعلمها إلا الله.

رسالتي للقائمين على برنامج الصدمة "المزيفة" هذا، أن اتركوا هذه الشعوب التي تتاجرون بها وتكون مواد دسمة لحلقاتكم المصطنعة وشأنها. فالشعب السوري والشعب العراقي أكبر من الاستعطاف وهو أسمى من أن يرضى بزرع نظرة الشفقة تجاهه في عيون مشاهدي برامجكم. والصدمة الحقيقية يا سادة هي عندما يقتل ويهجر الملايين من جيرانكم ويعتقل وينكل بمئات الآلاف منهم بسبب الطغاة الذين تساندوهم وتدعمونهم ببث سموم برامجكم وتحوير رأي المشاهدين والتركز على الضحية والتغاضي عن الجلاد، فلسان حال الشعب السوري والعراقي ينشد قول الشاعر طرفة بن العبد "لظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسامِ المهندِ".



حول هذه القصة

عقب سيطرة المجموعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق على طرابلس، يتوقع سياسيون تكرار سيناريو بنغازي، فقد أقدم مسلحون على هدم وحرق منازل تابعة لشخصيات مقربة من حكومة الإنقاذ ودار الإفتاء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة