التقِط صورة لضميرك

منذ فترة قصيرة، نشرت إحدى الصديقات على موقع فيسبوك، منشوراً يتحدث عن فيلم عُرِض قبل أعوام، كانت قصّته تدور حول شاب يعاني من الانحناء في كتِفه دون سبب أو مرض معيّن، وقد زار العديد من الأطباء، إلا أنهم عجزوا عن تفسير هذا الانحناء! وفي أحد الأيام، وبينما كان ذلك الشاب يلتقط بعض الصور لنفسه، فوجئ بأن رأى فتاة في صورته متعلقة في رقبته، بين كتفيه! شعر بالذعر وأخذ يتلفت يمنة ويسرة، ثم هرع إلى المرآة ليحاول أن يراها لكنه لم يجدها، عاد ليلتقط صورة أخرى، فوجد تلك الفتاة في ذات المنظر مجدداً، لكنه لم ينجح في رؤيتها إلا في الصور، تبيّن فيما بعد أن هذا الشاب كان قد أذى تلك الفتاة بصورة ما، وحين ماتت، ماتت دون أن تغفر له، فبقيت روحها متضررة بأذاه، غير راضية عنه، وسببت له "عاهة مستدامة".
قد تبدو فكرة الفيلم للوهلة الأولى خياليّة جداً، لن يتسنى لأحدنا أن يرى بعينه كمية الذنوب المتعلقة في رقبته تجاه أشخاص رحلوا دون أن يغفروا، وإن مجرّد التقاط صورة لنا عبر الهاتف، لن يتيح لنا إمكانية استشعار الأذى الذي قد نخلّفه في قلوب الآخرين، بتصرف ما، مهما كان صغيراً وأحمق! لكنّك إن كنت قادراً على التقاط صورة "لِضميرك"، فإنه حتماً سيخبرك فوراً بما تجهله، وسيريك أمراً لم تكن تره، سيريك كيف كان مرورك في حياة الآخرين؟! هل كان نسمة لطيفة أم إعصاراً نَكَبهم؟!

ربما لو كان بمقدورنا حقاً أن نلتقط صورة لضمائرنا، صورة ترينا أفعالنا، لدُهِشنا من كم الذنوب المتعلقة في رِقابنا! ولدار في عقولنا جميعاً السؤال ذاته: كيف أكون قادراً وفوقي كل هذا الحِمل من الذنوب؟! فذنوب البشر لا تُمحى، والإساءة لإنسان لا تُغتفر بتلك السهولة! كم منا يدرك تلك الحقيقة؟ ومن منا يضعها نصب عينيه على الدوام في كافة تعاملاته وعلاقاته مع الآخرين؟!

ابحث عن المغفرة، ابحث عنها دوماً، فالحياة لن تنتظر أحداً، ماذا لو مات مَن ظلمْنا دون أن يعفو عنا؟ أي الكُرب سنحتمل؟ وأي أنواع العقاب سننتظر؟ هل سنعيش بإعاقة في كتفنا طويلاً، كذلك الشاب؟! أعتقد أن العقاب سيكون أشد لذْعاً.

إننا نُخطئ كثيراً في حق أنفسنا، نخطئ في حق خالقنا، نقصّر في الطاعات وقد نبالغ في ارتكاب المعاصي، لكننا نعرف أن الله يغفِر لنا كل تلك الخطايا، ولعلّ أكثر ما يخيفنا هو خطايا البشر، فإن كنّا سبباً في قسوة قلب بشري عجز عن الغفران لبشاعة الندبات التي تركناها تلوثه، فما الذي سيشفع لنا حينها؟!

أصبح عالمنا مليئاً بالضغينة والحقد والكراهية، أصبحت قلوبنا ممتلئة بالأثقال، فقط لأننا نرى أن الاعتذار، وكلِمة "آسف"، هي أثقل من كل الأحمال التي نلقيها في قلوبنا! لأننا اعتبرنا الاعتذار ضعفاً ومهانة، لأننا بحاجة أولاً إلى معالجة الاعتراف بالخطأ، ثم معالجة التراجع عنه والاعتذار لأصحاب الحق، فالمشكلة الحقيقية تكمن أولاً في أن أغلبنا قاصرين عن الاعتراف بالخطأ، ولدينا ثقة في ذواتنا إلى درجة الجنون، تجعلنا نأبى ونرفض أن نعترف أننا قد نخطئ، فيصعب علينا الاعتذار، ثم يصبح مستحيلاً!

نحن نعرف أن الكُرب والمشاكل التي نتعرض لها في حياتنا، ما هي إلا اختبار دنيوي بسيط، وقد تكون تكفيراً لذنب اقترفناه دون أن نشعر، لكن ماذا إن كان ذلك الذنب هو خطأ بحق إنسان؟ ككلمة جارحة، كتلاعب بالمشاعر، كخيانة وخداع، أو خيبة تقصم الظهر؟! كيف سيُمحى؟ وكيف سيعفو عنك قاضي السماء، إن لم يتنازل صاحب الشكوى عن شكواه؟! وهل تكون القلوب عند رب العباد هينة؟ وهل يكون الدمع الذي ذرفه ذلك القلب عند ربه بخساً؟!

ابحث عن المغفرة، ابحث عنها دوماً، فالحياة لن تنتظر أحداً، ماذا لو مات مَن ظلمْنا دون أن يعفو عنا؟ أي الكُرب سنحتمل؟ وأي أنواع العقاب سننتظر؟ هل سنعيش بإعاقة في كتفنا طويلاً، كذلك الشاب؟! أعتقد أن العقاب سيكون أشد لذْعاً، فالإعاقة لن تكون في كتفي وكتفك، ستكون في حياتي وحياتك، عملي وعملك، آخـرتي وآخرتك.



حول هذه القصة

كيف ندرب أطفالنا على الصيام؟ وكيف يحافظ الطلاب منهم على نشاطهم أثناء الصيام بفترة الامتحانات؟ أسئلة أجابت عنها ثالث حلقة من عيادة الجزيرة مخصصة لشهر رمضان ووصلت لـ300 ألف متابع.

أوصى استشاري أول الجهاز الهضمي الدكتور نبيل محمد شعث بعدم بدء الإفطار بالقهوة لأنها تزيد الإفرازات الحمضية وقد تسبب مزيدا من الارتجاع (مما قد يؤدي للحرقة).

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة