ما بين الاتساق والمجاهرة

Syrian men sit at a coffee shop in old Damascus, September 8, 2013. REUTERS/Khaled al-Hariri (SYRIA - Tags: POLITICS CONFLICT CIVIL UNREST SOCIETY)
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه (أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني فرده فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت فرده الثانية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال أتعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا فقالوا ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم.).

بهذا الأسلوب تصرف النبي صلى الله عليه وسلم مع من أقر بذنبه وأتى ليتوب وكان عالماً بنفسه غير مصراً علي ذنبه. بينما ورد في سنته أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه).

وبتلك الكلمات أيضاً توعد النبي صلى الله عليه وسلم المجاهرين اللذين يحدثون الناس بذنوبهم بفخرٍ، غير طالبين الهداية أو قاصدين باب التوبة. وكأن النبي صلي الله عليه وسلم يعطينا قاعدتين للتعامل مع أنفسنا ومع من يذنب وهما يدوران حول الاتساق والمجاهرة.

مع موجة العلمانية المنتشرة يجد البعض حرجاً في الإنكار على العاصي، مما جعل الفعل يتحول تدريجاً لنمط مجتمعي لا يجد فيه البعض استقذاراً ومن ثَم لا ينكر علي فاعله.

فالقاعدة الأولي: وهي الاتساق والتي تتمثل في كون الفرد المسلم معترفاً بذنبه مقراً به طالباً من الله التوبة والعفو والمغفرة. غير مدع لطهرانية إيمانية تجعله يُقر في نفسه أنه وصل حد الملائكية، وغير ناظر للناس على قدر ذنوبها. ومن ثم فإن الفرد يطلب دائما من الله الستر والتوبة ويحاول دائماً أن يجعل باطنه مثل ظاهره وأن يتجرد في طلب الهداية والحق.

بينما القاعدة الثانية تتمثل في المجاهرة: وهي أن يأتي الرجل بالذنب فيصبح ويحدث هذا وهذا بفخر وعُجب فهو لا يري إشكال كونه مذنباً ولا يريد من الله الستر ولا يتوب إليه. كما ذُكر في الحديث، والفارق بين المفهومين عظيم لمن يعي مقصد كل مفهوم ويدركه.

وكما هو معلوم أن لكل مجتمع دعائمه الأخلاقية فإن المجتمع المسلم له ركيزة مختلفة عن ركائز المجتمع الغربي. فجاءت الشريعة حامية للحقوق الفردية محافظة علي جعل المجتمع يستقذر كل ما هو محرم ومنهي عنه. مقرة له نظاما أخلاقياً يتسق مع منهجه وشريعته.

فإذا كانت المجاهرة بالذنوب دليل علي اتساق أفراد المجتمع مع ذواتهم فإن هذا فهم خاطيء. لأن مع الوقت سيتحول الفعل المحرم لفعل سائغ لا يستقذره أحد، كون المجتمع يفعله ولا يستنكره أحد وهنا تختل ركيزة هامة من ركائز المجتمع المسلم وهي حفظ المجتمع من إشاعة الفتن وتسهيل الشهوات. ولهذا جاءت قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كي تكون مقومة للمجتمع حافظة مكانة المفاهيم في أذهان الناس فتجعل الحلال سهلاً والحرام صعباً.

وإن هذا لا يعد نفاقاً كما يروج له البعض، بل إن الشريعة جاءت تحث الفرد المسلم علي جعل باطنه كظاهرة منقياً نفسه مزكياً لها. بل إن ذلك نوع من أنواع إعانة المجتمع للتائبين على إصلاح نفوسهم وتقويمها. فمتى كان المجتمع مستقذراً للأفعال المنهي عنها في الشريعة كان اقتراف الفرد لها أصعب والتوبة منها أسهل، ومتى كان المجتمع متساهلاً في تلك المحرمات كان اقترافها سهلاً والمجاهرة بها أيسر.

ففي المجتمع الآن نجد موجة منتشرة بين المجتمعات الشبابية وهي المجاهرة بالذنوب بدعوى الاتساق مع الذات فتجد مثلاً من يفطر في نهار رمضان ولا يجد في ذلك حرجاً. وذلك يختلف عن الماضي كثيراً، ففي الماضي كان إذا اقترف الفرد فعلاً مماثلاً، لفعله مستخفياً كون الراسخ في عقلية المجتمع أن ذلك كبيرة من الكبائر التي يسارع في الإنكار عليها، بينما اليوم ومع موجة العلمانية المنتشرة يجد البعض حرجاً في الإنكار مما جعل الفعل يتحول تدريجاً لنمط مجتمعي لا يجد فيه البعض استقذاراً ومن ثَم لا ينكر علي فاعله.

إن المجتمع المسلم له ركائز مختلفة عن ركائز المجتمع الغربي. فجاءت الشريعة حامية للحقوق الفردية محافظة علي جعل المجتمع يستقذر كل ما هو محرم ومنهي عنه.

ومما ساعد على نشر خطاب المجاهرة بدعوى الاتساق كثيراً ممن يروجون لخطاب النفاق والمنافقين الذي يتم الترويج فيه إلى أن المرء إذ اقترف الذنب المرة تلو المرة وكان ممن لا يجاهر به فإنه من المنافقين الذين يخفون عكس ما يظهرون وهذا منافي لما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه تبارك وتعالى، (قال: أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي ربي، اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي ربي،اغفر لي ذنبي، فقال -تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليقل ما شاء.)، والمغفرة هنا مشترطة بتكرار التوبة كلما تكرر اقتراف الذنب.

ومن هنا نجد أن الشريعة إنما جاءت لرسم نمط مجتمعي يحفظ علي الفرد دينه ويعينه علي اقتراف ما هو حلال، مصعبةً عليه المحرمات وكأنها تضع حواجز لتمنعه من ارتكاب المحرمات، وليس الهدف من ذلك تقييد الحرية الشخصية للفرد بل الهدف منه تقليل الشر والفتن والشهوات المتسببة في انحلال المجتمعات وخرابها.