مراجعتي لرواية قناديل ملك الجليل

مدونات - قناديل ملك الجليل

بدأتُ بها بلهفةِ من ينتظر رؤيةِ العميق من المُفردات اللغوية والتي ستضافُ من بينِ ما أضيفَ سابقاً إلى مدونةِ المصطلحات الجديدة! لم أدرِ هل تكمن المشكلةُ فيَّ أم في اللغة المكتوبة! خمسمائة واثنان وستون صفحة لم أكتسب منها مُفردة لغوية واحدة! لعلَّ الكمّ المتواجد لديَ سابقاً هو السبب! أوَ ربما لضعفٍ يختلجُ الكاتب "العربي" إبراهيم في صياغاتٍ أكثر تعقيداً.

لأكونَ منصفةً قليلاً، لا أُنكرُ أن بَساطةَ السّردِ تشُّدُك إلى الأحداث حتى النهاية، لكني كُنتُ متعطشةً لشيء أعمقَ لا أدرِ لِمَ لم أصل إليه، تجعلك الرواية تُسافرُ إلى عوالمَ أَخّاذَة ٍ من عوالم القرن التاسع عشر، يتلاعب الشاعر بمشاعرِك في شدّك تارةً وفتورك تارةً أخرى، تنتظر النهايةَ بلهفةِ شخصٍ ترعرت مشاعِرُه على خط الاستواءِ حيثُ تتكِئُ شمسه على جنبه الأيسر! متعطشٌ هو للمزيد لكنّ الأساليب لا تروي ظمأه! جلُّ ما خرجت بهِ منَ الرواية هو معرفة بطلٍ من أبطال القرن التاسع عشر لم يكن معروفاً لديَّ من قبل، لكن ما بالُ تفاصيل الرواية!

بدأَ بفكرةٍ خَيِّرةٍ وتحطّمت الفكرةُ من البداية! تُجسد الملحمة الروائية شخصيةَ بطلِ يدافعِ عن الظلم تحت راية القومية! القوميةُ البلهاء التي نرزحُ تحتها اليوم مُمزقين، وقد صَدق فينا قولُهم فرِّق تسد، أولا يعلمُ أن القومية تحتاج لرغبةٍ ذاتيةٍ بالانتماء! على مدى أكثر من 85 عاماً ألبس الدولة العُثمانيةَ كاملةً رداءَ القهرِ والبطشِ والظلم والبطل هو المُنصف العادل الوحيد طِوال تلكَ الفترة الذي هداهُ الله فيها للحقِّ والخير! وتَحقيق العدل، أيُّ عدلٍ ذاكَ الذي خَلقَ صراعاتٍ ممُيتة قُتلِ فيها الأبرياءِ بدمٍ بارد، تناقضٌ صريح لراية عدلٍ يدّعي البطلُ حَملهأ!

هيّأنا الكاتب للتعاطف مع أصدقاء البطل، لنصل في النهاية إلى قناعةٍ مفادها التعاطفُ مع غزو قطاع الطرق من البدو متمثلاً بصديق البطل بِشر وزوجته غزالة! وقتله لرجلين كان ذنب أحدهما أنه سأل امرأة تدور في الفلاة وحدها إلى أين تذهبين؛ ظلم آخر!

 أوليس سفكه لدماءِ أُناسٍ كُثر من عرب الصقر ثأراً لأخيه صالح مرة والجهجاه مرةً أخرى ظلماً؟! ما ذنبُ أبرياءَ كانَ ذنبهم الوحيد أنهم ينتسبون إلى تلك القبيلة! القاتل يُقتل، أَتُقتل الجموع من الأطفال والنساءِ والشيوخ بدمٍ باردٍ هكذا! أوَ يُعمِل سيفه في جموعِ الضِعاف من القوم! وماذا عن قلته لرجلين ِ كانَ إثمُ أحدهما أنّه سأل امرأةً تدورُ في الفلاةِ وحدها إلى أين تذهبين! أَوَ هذه تعاليمُ الدين التي تعلمها عندَ شيخه! أيُّ ظلمٍ ذاك الذي غدا يُقاتله وسيفه ملوثٌ به!

ومن ظلم القتل إلى ظلم (الحلال المنهوب)، الذي جُلّ ما يُخلفه الدم ولا أكثر منه، وهل النهبُ حلال! وقد هيّأنا الكاتب للتعاطف مع أصدقاء البطل، لنصل في النهاية إلى قناعةٍ مفادها التعاطفُ مع غزو قطاع الطرق من البدو متمثلاً بصديق البطل بِشر وزوجته غزالة! وقتله لرجلين كان ذنب أحدهما أنه سأل امرأة تدور في الفلاة وحدها إلى أين تذهبين؛ ظلم آخر! وكنا نَخال الأسودَ لا يليقُ إلا بالحزن فإذا به لون سيف الظلم الذي يعتمل يد البطل. وتهيئة القارئ للتعاطف مع غزو قطاع الطرق من البدو متمثلاً في أبطال الرواية بشر ونجمة أصدقاء البطل، لكنّ ذكاء الكاتب تجلى في مواراته لذاك الظلم بتلاعبهِ بشاعرنا للتعاطف مع آلامِ البطل!

ولنترك الدماء المتناحرة تحتَ سيوفٍ خلقت ظلماً كبيراً وآخر صغيراً، لأذهب إلى المعتقداتِ الفاسدة التي بثها المؤلف في أكثر من مشهدٍ من مشاهد الرواية؛ تُضاجعهم أحلامُ الموتِ بقسوة مُحزنة! بدايةً معَ مقاتلة أبيهم للموت ونعته بألفاظٍ لا تَليقِ بتعاليم دينه! أوليس الموت قدر الله الغيبيّ؟! أم أراد الاعتداء على مشيئة الخالق بمقاتلته للموت؟! أم أنها طريقة للإقناع بأن القدر غياهبَ لا متناهية من الظلمة الأبدية!، ماذا عن تجربة القناديل واعتقادهم بصدقها! وسعيهم الدؤوب لردِّ الموت عن أخيهم! فتحسبهم يسلخون أنفسهم من خوفٍ قسري أو موتٍ يعيد لموتهم سكينته بتركِ ظاهر لأجساد بشر وغزالة وأولادهم تأكُلهم الوحوش والسباع من الطير؟! ولمَ ذاك لِيظلوا أحياءً طالما عاشت تلكَ السباع! أهي إشارة غير مباشرة من الكاتب لترسيخ فكرة تناسُخ الأرواح لمن يعلم خزعبلاتها ليزدادَ إيماناً وتصديقاً بها ؟

ماذا عن سجوده أما الكنيسة وطلبه النصر من السّيدة العذراء! ثم وصف الكاتب لمشاعره بعد هذا كمن مُسحت روحه بيدين ِمن الرحمة! أولم يعلم أن الدعاء عبادة وأن الله يُربت على كتف من يشاء برحمته لا العذراء! أَيريد فقط أن يُمعنَ معتقدات من يخدعون أنفسهم حين يقتنعون بنفع البشر أو ضُرّهم .

لم أجد طوال الرواية رجل مسلم يكتفي قلبه بامرأة واحدة، -بخلاف بشر وغزالة إن اعتبرت علاقتهم سوية- وكلّ واحدٍ منهم متعلقٌ بحبيبته وأشدهم تعلقاً الدنكزلي نفسه، وظاهر معه تغريهم النساء وتتلاعب بقلوبهم، وهذه جارية هدية من هنا وتلك هديةٌ من هناك، ثمّ إيحاءاتٌ فجّة بأن ما يحرك قلوبهم نحو النساء هو أجسادهم! لا العقول أو القلوب، بينما يسرد الكاتب متعمداً قصة رجلٍ مسيحي ويُخبرُ عن مدى وفائه لزوجته طوال خمسين عاماً، خمسون من الحب والهناء!، وليس ذاك إلا تلاعباً بمشاعر القارئات ضِعاف النفوس من النساء، ليعتقدنَ ألا وفاء عند رجال الإسلام، وكأنّ الحبّ موروثٌ قديم للمسحيين فقط وليسَ مكتسباً مع العمر، من سليل الفراديس أو من حزنِ النّوارس على مدّ الحنين وجزره!