تعددت التشخيصات والمرض واحد

blogs - dr
يُصيبُ الإنسان مرضٌ وتظهرُ أعراضه عليهِ، فيراجعُ المريضُ طبيباً مختصاً ليُشخِّصَ مَرَضَهُ، وقد يزورُ المريضُ نفسهُ طبيباً آخرَ فَيقول لهُ الطبيبُ الثاني كلاماً مُختَلفاً عن كلام الطبيبِ الأول من حيث التشخيص والعلاج، فإن كانَ المرضُ واحدا والمريض واحدا فلماذا اختلفَ التشخيص؟!

يَتساءلُ الناسُ عن سبب اختلاف آراءِ الأطباء في تشخيصِ مرضٍ يعاني مِنهُ شخصٌ ما، الأمر الذي يؤدي إلى اختلاف الفحوصات المطلوبة والعلاجُ الموصوف، مع العلم أنَّ الشخص المريض هو نَفسُهُ. حيث إن هذا الاختلاف يدفع بالمريضِ إلى التَشكيكِ في رأي أحد الطبيبينِ أو كليهما، وقد يفقد الثقة بالأطباءِ كُلهم بِسببِ الاختلاف في الآراء والتشخيص، فكما يُدعِّمُ الرأيانِ المتوافقانِ بَعضهما فإنَّ الرأيين المتخالفين يُقوِّضُ أحدهما الآخر، وهذا الأمر يجعلنا نبحث عن سببِ هذا الاختلاف؟ ألهذا الاختلافِ تَبريرٌ علمي؟ أم أن الأمرُ مردودٌ كُلهُ على رأي الناسِ القائل أنَّ الطبيب الأول لا يفهم؟ أم أنَّه مجردُ تنافسٍ بين الأطباءِ يُحاولُ كُلٌ منهم أن يخطِّئ رأي زميلِهِ ويُصوّبَ رأيِه؟ نستطيعُ ها هُنا أن نُلخِّصَ بعض الأسبابِ التي تَفرِضُ الاختلافَ في الرأي على أساسٍ علمي:

أولا: الطب ليسَ مجردَ عمليةٍ حسابية واحد زائد واحد يساوي 2، بل هو تَخمينٌ وتقريب، إذ إنَّ الأمراضَ المختلفة قد تُعطي أعراضاً متشابهةُ ونتائجَ مختبريةٍ متقاربة، وهذا يؤدي إلى ورودِ قائمة تتضمن عدةِ تشخيصاتٍ في مُخيِّلةِ الطبيب، وهذه القائمة تُعرف بـ Deferential Diagnosis . ويَعمدُ الطبيب إلى اختيار التشخيصِ الانسب بِحسبِ ما يراهُ من الاعراضِ والعلاماتِ والفحوصاتِ السريرية والمختبرية وهذا التشخيص يسمى بـ Professional Diagnosis، وقد يَختلفُ َمعَهُ زميلهُ من نفس الاختصاص في التشخيص لأنَّهُ يرى ان هذه العلامات تُشير إلى مرض في قائمة التشخيصات غير الذي راهُ زميلُهُ الاول، فكلٌ حسب استنتاجه.

قد يكونُ التشخيصُ صحيحاً والعلاج مناسبا ولكن المريضَ لا يلتزمُ بتعليمات الطبيب، فلا تَحصلُ فائدة من العلاج ويعودُ المريضُ مرةً أخرى إلى الطبيب فيظنُّ الطبيب أن تشخيصَهُ الأول كان خطأ فيَعمدُ على تغييرِ خطتِهِ في العلاج وبذلك تتعددُ التشخيصات.

ثانيا: اختلافُ المستوى العلمي لأطباء التَخصُصِ الواحد، فالطبُ علمٌ اكبرُ مِن أن يَستوعِبَهُ عقلُ بشريٍ، والاختصاصات فيِهِ ايضاً واسعةُ ومتفرعةُ وهذا يؤدي إلى تفاوتٍ في المستويات، فقد يبرعُ طبيبٌ في جزءٍ من جزئياتِ الطب لِتَبَحُّرِهِ فيهِ أكثر من زميلهِ الذي تَبَحَّرَ في جزئيةٍ أخرى، كما أنَّ لكلِ إنسانٍ حَظُّهُ من الفَهمِ ونصيبُهُ من الإدراك. لذلك فإن الاختلاف في المستوى العلمي يؤدي إلى الاختلاف في التشخيص.

ثالثا: اختلافُ نتائجِ الفحوصاتِ التي يعتمدُ عليها الطبيب في التشخيص، إذ يُمكنُ لِعينةِ دمٍ لمريضٍ واحد إن تُعطيَ نتائجَ مختلفة إذا فُحِصَت في مختبرين مختلفين. فالاختلاف واردُ حتى في غيابِ الأخطاءِ التقنية. كما أنَّ الكثيرَ من الفحوصاتِ مَبنيّةٌ أصلاً على الرأي والمشاهدة كالفحوصات المجهرية والشعاعية وفحوصاتِ السونار والدوبلر والناظور، إذ يُمكنُ أن يُكتَبَ تقريرينِ مختلفين لصورة شعاعية واحدة إذا عُرضَت على طبيبين متخصصين بالأشعة، فكل يَكتبُ تقريرهُ حسبما يرى، وهذا يعتمدُ على قوةِ بصرهِ ودقةِ ملاحظتهِ وعلمهِ. فإذا كان الفحصُ مبنيٌ على آراءٍ متباينةٍ فمن باب أولى أن يكونَ التشخيصُ المبنيٌ على ذلك الفحص متباينٌ، وبالتالي فإنَّ هذا يؤدي إلى تعدد الآراء.

رابعا: تغييرُ المريضِ للطبيبِ المعالجِ، فقد يَقصِدُ المريضُ عدةَ أطباءٍ في الشهرِ الواحدِ إذا لَم يَلحَظ فائدةً أو شفاء. وبذلك تتعددُ الآراءُ وتكثرُ أنواعُ العلاجات. فالأولى بالمريضِ أن يحدد طبيبا واحدا يثق بعلمه ِ ويثبت عليه لأنَّ طبيبَهُ الأول لديهِ فكرة كاملة عن مرضه وعلاجهِ، أما إذا قَصَدَ المريض طبيباً آخرَ فسيرجِعُ إلى خانة البداية، وقد يُعطيهِ الطبيبُ الثاني نفسَ العلاجِ الأولِ بأسماء شركاتٍ مختلفةٍ والذي لم يفده بالأصل.

خامسا: قد يكونُ التشخيصُ صحيحاً والعلاج مناسبا ولكن المريضَ لا يلتزمُ بتعليمات الطبيب، فلا تَحصلُ فائدة من العلاج ويعودُ المريضُ مرةً أخرى إلى الطبيب فيظنُّ الطبيب أن تشخيصَهُ الأول كان خطأ فيَعمدُ على تغييرِ خطتِهِ في العلاج وبذلك تتعددُ التشخيصات.

قَد يَكونُ الأطباءُ مُتَّفِقينَ على تَشخيصِ الحالةِ المَرضية ولكنَّ طَريقةَ شَرحِهم للمَريض مختلفة، فَيفهَمُ المَريضُ هذا الاختلاف في اللُّغةِ على أنَّهُ اختلافٌ في التَشخيصِ. كما أنَّ بَعضَ الأطباء لا يُعطي شَرحاً كافياً للمريض عن حالتِهِ.

سادسا: قد يقومُ بعضُ الأطباءِ بعلاجِ أمراضٍ ليسَت من اختصاصِهِم ويعطي رأيا خطأً عن المرض، إذ الأولى بالطبيبِ أن يعالجَ الأمراض التي هي من اختصاصِهِ وأن يُحيلَ الأمراض التي ليسَت من اختصاصِهِ إلى زملائهِ بدلاً من أن يُكابر في علاج أمراضٍ لا يمتلكُ خبرةً كافةً عنها فلكل طائر مشربه.

سابعا: لكلِ مرضٍ معيَّن عدةَ فحوصاتٍ وعدة أنواعٍ من الأدوية، وغالباً ما يبدأ الطَبيبُ بفحوصاتٍ بسيطةٍ وغيرَ مُكلفةٍ للمريض، وكذلك يعطيه علاجا بسيطا، وهذا مبدأ علميٌ يَجبُ العملُ بِهِ. إذ ليسَ من المَعقولِ أن يَبدأ الطبيبُ بالفحوصاتِ المُعقدةِ والعلاجاتِ المُكلفةِ، وإنَّما عليه أن يَبدا بالأسهَلِ والأرخَصِ بحَسبِ مُقتَضياتِ حالةِ المَريض. وقَد يُفهَمُ هذا التَدرُّج في الفُحوصاتِ والعِلاجِ على أنَّهُ اختِلافٌ في التَشخيصِ.

ثامنا: قَد يَكونُ الأطباءُ مُتَّفِقينَ على تَشخيصِ الحالةِ المَرضية ولكنَّ طَريقةَ شَرحِهم للمَريض مختلفة، فَيفهَمُ المَريضُ هذا الاختلاف في اللُّغةِ على أنَّهُ اختلافٌ في التَشخيصِ. كما أنَّ بَعضَ الأطباء لا يُعطي شَرحاً كافياً للمريض عن حالتِهِ، ولا يُوضِّحُ لهُ خُطَّةَ العلاجِ ومَراحِلِهِ، فيَبقى المَريض مُتخَبِطاً في التَفكيرِ في حالتِهِ المَرضية، الامرُ الذي يَدفَعهُ إلى استشارةِ طَبيبٍ ثانٍ، أو أن يَقرأ عن حَالتِهِ في مواقعِ الأنترنت، وهذا كُلُّهُ يزيد من الاختلاف ويُوقعُ المَريضُ في مشاكلَ جمة.

تاسعا: المستوى الثقافي للمَريض مُهمٌ جداً في تَحديدِ التَشخِيصِ من حيث قُدرتِهِ على شَرحِ أعراض المَرض، وإدراكِهِ لشرحِ الطبيب للحالة المرضية والتزامِهِ بتَعليماتِهِ، وهذا كُلُّهُ يزيد من كفاءةِ العلاجِ ويُقلِّل من زياراتِ المَريض للطبيب.