الكتب الممنوعة أرخص ثمنا

مدونات - كتب الإنترنت

عجيب هذا الإنترنت، والأعجب منه هو حكومات العالم الثالث. أما العجب من الإنترنت فهو تحديه لكل الممنوعات المفروضة على الشعوب، ولكل العراقيل، ولكل المحرمات التي باتت تسكن أحلام الإنسان، وتتفقد لقمته قبل أن توضع في فمه، وتفتش سرواله قبل أن يلبسه.

أوصاني صديق لي بجلب كتاب معين له من دولة عربية توجد على المريخ، نعم على المريخ، فاعتقدت أن هذا الأمر سهل لأن موضوع الكتاب لا يشكل تهديدا نوويا ولا حشدا انقلابيا، ولا فضحا أسريا، ولا تكسيرا تشريعيا، ولا مرضا معديا، لا لتلك الدولة ولا لدولة أخرى من ذات المستوى على المريخ، فيممت وجهي شطر دار الكتب الشهيرة في تلك الدولة، وكانت لي بصاحبها علاقة لكثرة زياراتي لتلك الدار، ولأنهم يعتبروني زبونا من درجة عالية، أو من تصنيف أفضل حالا من تصنيف تلك الدولة على مقياس رختر السياسي. ولكن للأسف، فإن الكتاب ممنوع من التداول، والحمد لله أني صديق لصاحب تلك الدار وإلا لكنت الآن حيث لا يعلم الذباب الأزرق مكاني، وعلي أن لا أعيد ذكر اسم ذلك الكتاب الموبوء، حتى لو خُتم جواز سفري بختم الخروج، حرصا على سلامتي.

إذا كان هذا عجب الإنترنت، فإن الأعجب منه أن تصمم حكومات العالم الثالث على الوقوف في وجهه الخيال والحلم والأيونات والشحنات الكهربائية، وفي طريق الصوت والصدى والرعد والبرق، ذاك مستحيل.

وفي الفندق زارني صديق من تلك البلد، فأخبرته القصة، فضحك وقال لم تكلف نفسك كل هذا العناء، فإنك كنت ستدفع ثمن الكتاب غاليا، سجنا ومالا، وعندك الحل بدون عناء، فالإنترنت قد تكفل بكسر القيود وتدمير الحدود، ودخلنا في غرفتي في الفندق حيث يوجد إنترنت، وفعلا قام، وخلال وقت قصير، بإنزال الكتاب كاملا، ومجانا بالكامل، مع أني كنت سأدفع أكثر من سبعين دولارا أمريكيا ثمنا للكتاب، كنت سأخجل أن أطلبها من صديقي، فأكون قد خسرت حمولة كتاب كنت أنا أحق به، وكنت سأخسر ثمنه، وضربتين في الرأس تكسره. وعندما عدت إلى صديقي طالب الكتاب، أرشدته لطريقة إنزال هذا الكتاب، بل أي كتاب ممنوع، ومجانا عن طريق الإنترنت.

إذا كان هذا عجب الإنترنت، فإن الأعجب منه أن تصمم حكومات العالم الثالث على الوقوف في وجهه الخيال والحلم والأيونات والشحنات الكهربائية، وفي طريق الصوت والصدى والرعد والبرق، ذاك مستحيل، ووهم السيادة التي تتحصن بداخله تلك الحكومات قد تم دكه من زمن، وما بقي إلا الواقع والفرد والمجتمع والشعب والشعوب والعالم والأمة والأمم، كل هذه أصبحت تتخاطب فيما بينها بلغاتها، وبكل وقت، وبكل شفافية، أي أن الخبرات الفردية عبر الأرض أصبحت تنتقل رغما عن كل الحدود المتوهمة.

 فما يحدث هنا يتم نشره ومعرفته والتفاعل معه في آخر بقعة من الأرض، فقط بمجرد كلمتين تعرف بالأمر: خبر عاجل.. وتصبح الدولة في حضن العالم بأسره، يتفرس في ملامحها، ويقلبها كيف يشاء.. الآن يمكنك أن توفر ثمن أي كتاب تريده، والكتب أصبحت رخيصة الثمن.. وأرخصها ثمنا الكتب الممنوعة.. لأنها مرغوبة.. ولأننا نحمل بين جوانحنا ضمائر مرعوبة..