هل شارك اليهود في فتح الأندلس؟

blogs- غرناطة
في يوم الثامن والعشرون من رمضان تحل ذكرى فتح الأندلس ويحلو للبعض للأسف أن يروج كلاما لا أساس له من الصحة بأن اليهود كان لهم دورا في الفتح الإسلامي للأندلس! فقد خاض بعض المؤرخين المعاصرين من اليهود في هذا الموضوع، وجعلوا لليهود دورا كبيرا في فتح الأندلس! ولجؤوا للاختلاق وطمس الحقائق!

   
فيقول المؤرخ اليهودي الشهير سيمون دوبنوف "وتضمن الجيش الإسلامي، الكتيبة البربرية اليهودية المنضمة إليهم، والتي يقودها المحارب الذي يحمل اسما يهوديا وهو خولان اليهودي، الذي فتح برشلونة والجزء الأكبر من قطلونيا).. يقول الدكتور خالد يونس الجندي في كتابه: "اليهود تحت حكم المسلمين في الأندلس" مفندا مزاعم دوبوف: وهذه المعلومات التي يرويها سيمون لم أجدها في أي مصدر عربي أو أسباني، ولم يشر سيمون نفسه إلى مصدرها، ولا يستطيع أن يفعل، لأن خياله المغرض فقط هو مصدر هذه الاختلاقات، فلا توجد لمزاعم سيمون أي أساس من الصحة، فليس هناك قائد يهودي يحمل اسم خولان، ولم يشارك اليهود مطلقا في فتح قطلونيا أو غيرها من مدن الأندلس، لا مشاركة فردية ولا علي شكل كتيبة مستقلة..

لو كان يهود الأندلس شجعانا منذ مئات السنين، لتمكنوا من تكوين حكم لهم، ولو في جزء صغير من هذه البلاد التي يتواجدون فيها قبل الرومان والوندال والقوط، لكننا نلاحظ أنهم كانوا يسعون فقط للتقرب من حكام كل عهد جديد ويهنئون بالعيش في خدمتهم.

  
وللأسف الشديد فإن بعض الكتاب ممن هم محسبون على المسلمين يقبلون برواية سيمون المطعون فيها بكل الأوجه، حيث يقول الكاتب أنيس زكريا في كتابه الدولة الأموية في قرطبة "لا شبهة أن لليهود ضلعا كبيرا في فتح إسبانيا، وإن أهمل ذكرهم مؤرخو العرب والإسبان).. ولا أدري كيف يسمح هذا الكاتب لنفسه أن يقبل ادعاءات كاتب يهودي لم يقدم عليها أي دليل! ولا يكتفي بعدم تصديق جمهور المؤرخين المسلمين أو حتي المؤرخين الإسبان، بل يتهمهم بالتعمد في إهمال دور اليهود في الفتح!
  
حقا لقد ابتلي التاريخ الإسلامي بكثير من أبناء العرب والمسلمين، الذين كانوا بكتابتهم معول هدم في أيدي المغرضين، لقد كتب الكثير عن التاريخ الإسلامي، بأيدي هؤلاء المتأثرين بكتابات أعداء الأمة، فخرجت كتاباتهم تقدم تاريخا مشوها منفرا، وكادت أن تغيب الحقيقة الناصعة المشرقة لهذا التاريخ الإسلامي العظيم، التي يمكن أن تسهم بشكل فاعل في بعث جديد لخير أمة أخرجت للناس..
  
ونعود إلى كتابات المؤرخين حول الدور المزعوم لليهود في الفتح الإسلامي للأندلس، حيث كان المؤرخ اليهودي الياهو أشتور أكثر اعتدالا من دوبنوف حيث يقول إن دور اليهود في عملية الفتح لم يكن يتجاوز أعمال الحراسة مع احتمال تقديم المعلومات المفيدة للفاتحين.. ولكنه يجعل لهذه الحراسة أثرا كبيرا في عمليات الفتح، ويعد استخدام المسلمين لليهود في أعمال الحراسة دليلا على كفاءتهم القتالية! وأنهم شعب محارب ومتميز ومختلف عن بقية شعوب العالم، ويخوض في هذه المسألة باحثا عن الأسباب التي جعلت اليهود شعبا مقاتلا ثم يقول "إن رجالا من هذا النوع يعدون حلفاء ملائمين للشعوب المقاتلة والفاتحة، هكذا كان يهود إسبانيا لمئات السنين).

واختلف مع أشتور في هذه المسألة، وأري أنه مبالغ في تضخيم أثر يهود الاندلس علي الفتح، وفي جعلهم شعبا مقاتلا، يحرص الفاتحين علي كسبهم الي جانبهم وذلك للأسباب الاتية:
أولا: لو كان يهود الأندلس شعبا مقاتلا شجاعا، لانتفض على القوط الذين ظلوا يصدرون القرارات القاسية ضده على مدى أكثر من مائة سنة قبل مجيء المسلمين للأندلس، لكنه لم يحرك ساكنا حتى عندما صدر قرار بتحويلهم جميعا إلى عبيد، وتوزيعهم على أسياد نصارى وانتزاع أبناءهم منهم وتسليمهم للأديرة والعائلات النصرانية ليتربوا على أيدي النصارى.. ولم يكن ينقصهم في ذلك الوقت العدد أو المال إذا كانوا أضعاف عدد الفاتحين المسلمين وكانوا يملكون الثروات والإقطاعات الواسعة..

ثانيا: لو كان يهود الأندلس شجعانا منذ مئات السنين، لتمكنوا من تكوين حكم لهم، ولو في جزء صغير من هذه البلاد التي يتواجدون فيها قبل الرومان والوندال والقوط، لكننا نلاحظ أنهم كانوا يسعون فقط للتقرب من حكام كل عهد جديد ويهنئون بالعيش في خدمتهم إذا سمح لهم بذلك..

ثالثا: يتناقض أشتور مع نفسه في موضع آخر فيقول "من الصعب التصديق أن المسلمين قد تحالفوا مع جماعة من الناس، لم يكونوا من إحدى الزمر المقاتلة قبل الفتح". 

رابعا: لم تتحدث المصادر الإسلامية عن وجود يهود في المدن التي فتحها موسى بن نصير ويصرح أشتور أن ذلك لخلو تلك المدن منهم، ومع عدم وجودهم وقلة عدد الجيش الإسلامي مقارنة بجيش القوط، كان هذا الجيش يحقق الانتصارات والفتح السريع مثلما حقق طارق وجيشه.. 

لقد صنع هؤلاء الفاتحون ما يثير الإعجاب، الذي يصل أحيانا أاشتور وغيره إلى عدم التصديق بأن آلافا عدة من المسلمين يمكن أن يحققوا هذا الانتصار الساحق خلال هذه المدة القصيرة.

خامسا: لم يتقدم الجيش الإسلامي ذو العدد القليل بهذه السرعة في قلب الأندلس، لأنه كان مستفيدا من خدمات اليهود كما قال لشتور، ولكن لأن هذه هي طبيعة المجاهدين المسلمين، منذ بدأت سرايا الجهاد والفتح تجوب الأرض شرقا وغربا تنشر نور الإسلام، فقد كانوا في معظم معاركهم أقل بكثير من أعدائهم، وكانوا دائما يحققون الانتصار، فقد هزم طارق بنحو اثني عشر ألف مجاهد، مئة ألف مقاتل قوطي حسب إحدى الروايات، يقودهم حاكم إسبانيا لذريق في معركة كورة شذونة، واقتحم عمرو بن العاص مصر بنحو ثلاثة آلاف وخمس مئة مجاهد، وحقق المسلمون انتصارا ساحقا على الروم في معركة اليرموك بالرغم من التفوق الروماني الكبير على المسلمين في العدد والعدة.

إن مسألة التساوي في القوى المادية بين الفاتحين لم تكن قانونا معتبرا عند الفاتحين المسلمين، فقد كان حرصهم على الشهادة أشد من حرص أعدائهم على الحياة.. لقد صنع هؤلاء الفاتحون ما يثير الإعجاب، الذي يصل أحيانا أاشتور وغيره إلى عدم التصديق بأن آلافا عدة من المسلمين يمكن أن يحققوا هذا الانتصار الساحق خلال هذه المدة القصيرة، في تلك البلاد الواسعة ذات التعداد السكاني الذي يصل عددهم إلى بضعة ملايين دون مساعدة فاعلة من اليهود وغيرهم.

من هنا يتبين لنا عدم صحة ما تم ترديده وتداوله حول دور اليهود في الفتح الإسلامي لإسبانيا وأنها كانت أقاويل لا أساس لها من الصحة ولا تدعمها أية أدلة أو أسانيد.