شعار قسم مدونات

لا تلوموا اليائسين من الربيع العربي!

Protesters run from tear gas released by riot police during clashes at Tahrir square in Cairo November 23, 2012. Egyptian President Mohamed Mursi's decree that put his decisions above legal challenge until a new parliament was elected caused fury amongst his opponents on Friday who accused him of being the new Hosni Mubarak and hijacking the revolution. Police fired tear gas in a street leading to Cairo's Tahrir Square, heart of the 2011 anti-Mubarak uprising, where thousands demanded Mursi quit and accused him of launching a
كان المواطن يعيش في حياة تشبه الجحيم، فالرواتب قليلة والواجبات كثيرة، والخدمات ضئيلة، وكل يوم تزداد الضرائب والمشقات وينخفض مستوى الأمن والأمان والاستقرار، ويتراجع ملف حقوق الإنسان وتمتلئ السجون بالمعتقلين وتزداد صلاحيات الأجهزة الأمنية في القتل والضرب والتعذيب، وتنشط أجهزة المخابرات في زراعة الجواسيس في كل مكان والقتل على الشبهة وخلق الرعب في كل مكان، وتزداد امتيازات المسئولين والعائلة الحاكمة، وعندما يتجرأ المواطن على الاعتراض أو الانتقاد يكون خائنا عميلا مصيره ما وراء الشمس!

ورغم كل هذه الضغوط كان المواطن ينتظر قليلا من الفرج، ولكن الحاكم كان يريد توريث ابنه في الحكم، وبالتالي يقضي على أحلام المواطن في تحسين معيشته في المستقبل، وكان الحاكم يزداد بطشا وجرما وارتكابا للموبقات، فيغلق جميع الطرق أمام المواطن إلا طريق الصبر أو الثورة أو الهجرة إلى الخارج.

وبالرغم من معرفة المصير المشئوم إلا أن المواطنين خرجوا بالفعل ضد هذه الأنظمة وكان الحراك سلميا ونقيا في سبيل إحداث تغيير حقيقي للحاضر والأجيال القادمة، ولكن ما حدث كان عكس التوقعات، فالثورات السلمية واجهت معارضة داخلية وتدخلات دولية مباشرة في سبيل إفشالها وتحريف مسارها وتشويهها ومواجهتها بكل الوسائل والأدوات الغير مشروعة لأجل تدمير هذا الحلم وإعادة تنصيب المنظومة الأمنية القمعية التي سادت في المنطقة وتقويتها بصورة أشد وأكثر قسوة.

"من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبدا، وسوف يرى الدنيا أياما يداولها الله بين الناس، الأغنياء يصبحون فقراء والفقراء ينقلبون أغنياء، وضعفاء الأمس أقوياء اليوم…"

تم تدمير الربيع العربي عن طريق إنفاق المليارات من الدولارات، سواء عن طريق خلق الثورات المضادة في دول الثورات، أو عن طريق خلق الجماعات الإرهابية وتصويرها على أنها جماعات ثورية، أو عن طريق تخريب الحركة الثورية داخليا في سبيل إضعافها والسيطرة عليها حتى تكون مشابها للمنظومة الأمنية التي قامت عليه في الأساس.

ونتيجة هذه الممارسات المحلية والدولية أصبحت حياة المواطن في هذه الدول أسوأ من السابق، وأصبح يفكر ويندم على الثورة ويصيبه اليأس والقنوط بعدما شاهد نتائج الربيع العربي والوضع ازداد سوءا ولم يتحقق التغيير الذي خرج من أجله الناس، بل حصل نتائج عكسية من تدمير أوطان وهجرة الملايين وتشريد الآلاف والغزو الخارجي وظهور الجماعات الإرهابية والفوضى والاضطرابات والنزاعات القومية والطائفية والقبلية.

ولا يمكن أن نلوم المواطن إذا وصل إلى هذه النقطة المظلمة وأصبح نادما ومتحسرا على الربيع العربي ويائسا من أي نتائج قد يتحقق بسبب هذه الخطوة الجوهرية في تاريخ شعوب المنطقة، لأنه ضحى وفقد كل شيء في سبيل التغيير بينما النتيجة كانت معاكسة تماما واستفادت جهات خارجية ودولية واستغلت هذا الحراك في تحقيق مصالحها وأجندتها أمام أنظار هذا المواطن المسكين الذي لم يرى الخير في حياته.

من المؤكد أن من يطلع على التاريخ وخاصة مراحل التغيير في المجتمعات وتاريخ الثورات في العالم يستطيع أن يرى الواقع كمرحلة ضرورية لمستقبل أكثر إشراقا وتنويرا مما نراه اليوم، ولن يصيبه اليأس والقنوط بالعكس يشعر بالتفاؤل بالرغم من الدمار والأشلاء والفوضى، وكما يقول الكاتب مصطفى محمود ( من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبدا، وسوف يرى الدنيا أياما يداولها الله بين الناس، الأغنياء يصبحون فقراء والفقراء ينقلبون أغنياء، وضعفاء الأمس أقوياء اليوم، وحكام الأمس مشردو اليوم، والقضاة متهمون والغالبون مغلوبون، والفلك دوار والحياة لا تقف والحوادث لا تكف عن الجريان والناس يتبادلون الكراسي ولا حزن يستمر ولا فرح يدوم).

بالرغم من معرفة المصير المشئوم، إلا أن المواطنين خرجوا بالفعل ضد هذه الأنظم وكان الحراك سلميا ونقيا في سبيل إحداث تغيير حقيقي للحاضر والأجيال القادمة.

كلمات من ذهب قد تزيل الهم والحزن من القلوب، ولكنها لا تستطيع إعادة الأمل لشخص فقد كل شيء ورأى المآسي والآلام وشاهد الدمار والأشلاء، ويعيش في واقع لا يلتمس فيه ذرة أمل لتغيير ولو طفيف على الساحة الحالية. من السهل أن ننظر بتفاؤل إلى تضحيات المواطنين كجزء من مرحلة ضرورية لتجاوز الواقع الحالي والقفز إلى المستقبل عن طريق مسيرة طويلة قد تستغرق عشرات السنوات.

ولكن من الصعب على هذا المواطن الذي عانى من البؤس والقهر أن يحمل هذه النظرة التفاؤلية المفعمة بالأمل لأنه عانى فعليا ونحن لا نلومه على إحساسه وشعوره ولا نحمله فوق طاقته ولا نطلب منه تفاؤلا مزيفا حتى لا ينهار بالكامل، بل نحترم ما قدمه ونكمل المشوار حتى نصل إلى النهاية المشرقة التي ضحى من أجلها الآلاف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.