شعار قسم مدونات

مرثية وطن!

Blogs - Aleppo
سوف نكتب مراثيك بأنفسنا المتساقطة أيّها الوطن وسنحفر عذاب جسدك الذّبيح في مطاوي الريّاح وغابات الغيوم التي ترحل فوق البحر حاملةً روائح الجراح في أجساد أبنائك المتناثرين الآن في وحشة الفلوات الجرداوات والصّحاري الجُوف، وسنندب موتك الكبير بحناجر لا تعرف الكلال وأنفساً لا تفقه المَلال.

إنّهم يَبنون انتصاراتهم العظيمة على فقرك العظيم وعلى وجوه أبنائك التي نهشها الحِرمان وقمع السنين الطّوال وظلم الحكّام المبرابين. إنّهم يَحتفون في صالوناتهم الوثيرة وقصورهم التي أشادوها من امتصاص دمائك الخَيِّرة وغرف نومهم المترفة من أموالهم الطائلة وثرواتهم الهائلة بتمزيق أشلائك الواهنة وإطفاء كل ومضة من نور استطعت إيقادها بضنى السّنين وعرق اللّيالي ومكابدة الجّراح. بلى أيّها الوطن الصغير كالقلب الواهن مثل خيط عنكبوت في عالم لا يعرف سوى لقوَّة التّدمير وغياب الضمير قيمةً وقدراً. ولا يَحفَلُ إلاّ بقواعد التّجارة والربح والخسارة التي تحميها الجيوش الهادرة والقوّة الفاجرة.

بأيّ شيء قُمْتَ تَنقُرُ لهم أيّها الوطن الصغير؟ بأيّ شيء وقفتَ تحلم أن تَرُدَّ كيدَهم وعنجهية قوَّتهم ودَهاءَ خِبِّهِم ومِحالِهِم أيّها الوطن المخدوع؟ بأيّ شيء هرعتَ تَرفع ذراعيك الّتين أوهَنَتهُما السِّنونُ تهزّهما في وجوهِهِم الكالحة الواغلة في دمائك؟

بلى أيُّها الوطن إنّنا لنرثيك.. ذلك أنّنا نحن العَجَزة الذين لا سلاح لهم سوى الكلمات لا نستطيع أن نقدّم لك سوى المراثي أو نُطَوّقَكَ بسوى الوله الكسير والرغبة الجّموح.

بكبرياء الجريح الذي لم يَعد يَقوى على السكوت على نزيف الجراح رغم أنه أَوْهَنُ من أن يَرُدَّ على صدره إنهيال ضرباتهم الصاعقة؟ بعِزَّة السَّليب الّذي لم يَعد يَطيق مزيداً من السَّلبِ رغم أنّه أَوْهَنُ من أن يستردّ ما استلبوه؟ أو بسذاجة الضحية التي تظنّ أنّ صراخها سوف يجعل المجرمين يُبصِرون كوكب الحقّ والحقيقة اللاّمع في سماء قد جَنَّت وحَلَّ بها الغَلَسُ؟ أمْ بأوهام خدعك بها حكّام طواغيت إستغلاَلاً لتوقك اللّهوف إلى أن تهدر في عروقك دماء حياة نقيّة فإذا كلّ ما هدهدوك عليه حصون من هشيم وأضغاث أحلام وسرابُ صَحْصَحَان يَحسَبُهُ الظّمآن..؟

بلى إنّنا سنرثيك أيّها الوطن الوديع كالحمل الضائع رغم ما يبدو على وجهك الصغير من تجاعيد صنعتها مرارة الغضب والموجِدَة وإحباط السنين فيحسبُها الناظر تقطيبة الأسد الهَصور. بلى إننا سنرثيك لأنّك تعيش في عالم هو مرتع مُبَاحٌ لضواري الذّئاب وأنت أَوْهَنُ من شاة هَرِمة تتقاذفها رياح الصحاري.. ينهش صغار الذّئاب لحمك بحماية كبارهم وأنت عاجز حتى على العَضّ كما يَعَضّ ابنَ آوى ذبيح.

ويفترس كبار الذّئاب قلبك النّازف فلا تَقْوَى إلاّ على عويل الفريسة المشلاة. وإذا حدث في غفلة من الزّمن أن اشتدَّ لك زندٌ وأينَعَ لك عودٌ وانتزعتَ بعَرَقِ الجبين وضنى اللّيالي سهماً في غابة العالم تريد أن تَذود به عن أعضائك العارية هجَموا عليك هجومَ الضواري يكسرون سهمك النّحيل ويسلخون عن جلدك حتّى الرداء الذي به تحميه من الريح.

بلى إنّنا سنرثيك أيّها الوطن ذلك أنّك وأيْمُ الله لجدير بأبلغ الرثاء. جديرٌ بأكثر المراثي مرارةً وغَضَباً وتَمَرمُراً وعزيمة على ألاَّ يَضيعَ الدّم الهريق عبور السّنين وألاّ يَمحوا صور جثث أبنائك المتناثرة على صدور الصّحاري جثومَ الغاضبين على لحم صدرك الّذي ضرّجته الكَلُومُ.

إنّنا سنرثيك أيّها الوطن الوديع كالحمل الضائع رغم ما يبدو على وجهك الصغير من تجاعيد صنعتها مرارة الغضب والموجِدَة وإحباط السنين فيحسبُها الناظر تقطيبة الأسد الهَصور.

بلى أيُّها الوطن إنّنا لنرثيك.. ذلك أنّنا نحن العَجَزة الذين لا سلاح لهم سوى الكلمات لا نستطيع أن نقدّم لك سوى المراثي أو نُطَوّقَكَ بسوى الوله الكسير والرغبة الجّموح. غير أنّ مراثينا لن تكون مراثي العجزة اللاّجئين إلى قضاء الكلام ينسجون حول أنفسهم شرانقةً كيْلاَ يَلسَعهم وهج نيران الفجيعة بل المراثي التي تُشعِلُ في صدرك الذبيح لهفة الصراع من أجل أيّامك القادمة من أجل أن نغسل بفوح الدماء وصمة العار والشنار والقماءَة من أجل أن تَستَعيدَ يَقينَك الّذي هَشّمته وحشيّة المُرائين المخادعين بحقك المغتَصَب مرّة بعد مرة ومن أجل ألاّ تدع قوَّة الإنتهاك تقنعك بأنّ البديلَ الوحيد أمامك هو أن تُقِرَّ بشرعيّة الاغتصاب وتُقِرَّ بشرعيّة الاغتصاب وتتخلّى عن حقّك السّليب وقسطك النّهيب.

بلى أيّها الوطن سوف نرثيك في محنتك التي صنعها لك أبنائك بقدر ما حاكاها لك أعداؤك. حين انهالت يَدُ الأخ بخنجر مسموم تطعن صدر أخيه الأعزل العاري وتستبيح ماله وتقوّض بناياته وتهدم أركانه ثمّ حين صرخ الأخ الطّعين واغَريباه مستفِراً ألف خنجر لتنهمر على صدر الأخ الطّعين بطعناتها النّجلاء المُمَزّقة زاعِماً أنّ الطّعنات التي تنال أخاه لن تنالَ إلاّ أخاه وغافِلاً عن الحقيقة المرّة وهي أنّ الجسد الواحِد لا تلتئم منه الذّراع بأن تقطع منه الرأس. وأنّ العَدوّ في النهاية ليس عدوّاً لأخيه وحسب بل عدُوٌّ له أيضاً.

وأنّ الغريب الذي جَمَحَ لنجدته لم ينجده محبّةً به بل من أجل أن يَضمنَ هيمنته على كلا الأخوين الباغي والذي حَلَّ به البغي. فالغريب لا يعرف مصلحة إلاّ لنفسه ولا يؤمن بحقّ غيرَ حقّه ولا يُحارب من أجل شيء إلاّ مكاسبه ولا ينتخي إلاّ حفاظاً على قدرته في أن يبقى أبداً سيّداً على الأخ الظّالم والمظلوم.

بلى إنّا لنرثيك لأنّك مدى الدّهر تعتو على يَدِ طاغية تلو طاغية. طغاة يلبسون مسوحاً مبرقعة بأزهى الألوان وأشدّها إغواءً وبعضهم تسمّيه أميراً وبعضهم مُشيراً وبعضهم شيخاً زبأريراً. بعضهم تسمّيه حاكماً باسم الله وبعضهم رئيساً مجيداً وآخر وزيراً عتيداً. وكلّهم يَقودك إلى مهاوي الخراب ويرشدك إلى مصير يَبَاب ويَرودُ بك مسالك المهالك ويخرجك من ليل أعتى إلى متاه حالك.

بلى أيّها الوطن إننا لنرثيك نحن الذين لا نملك سوى الرثاء. فلقد انتزعوا من أفواهنا الألسنة الناطقة بغير التافه المُرائي. إنّما هم بكوابِحَ لكل قَمٍّ يغمغم بكلمة من حقّ تكشف سوءَ ما يَفعلون وزيف ما به ينطقون ولم يتركوا لغير المدّاحين والدجّالين من سبيل إلى النّطق. فلا كلام إلاّ بما يتغنّى بأمجادهم وإن لم تكن سوى أوهام ولا كلام إلاّ بما يُلهينا عمّا يفعلون. ولا نطق إلاّ أن يكون تعبُّداً وتهليلاً ولا لسان إلاّ ما يظلّ لمَشيئتهم عبداً ذليلا. في عصر حَسِبَ فيه أبنائك أيُّها الوطن أنّ لهم فيه حريّة تعبير وانعتاق مصير.

سوف نرثيك في محنتك التي صنعها لك أبنائك بقدر ما حاكاها لك أعداؤك. حين انهالت يَدُ الأخ بخنجر مسموم تطعن صدر أخيه الأعزل العاري وتستبيح ماله وتقوّض بناياته وتهدم أركانه.

بلى إنّنا لنرثيك وَطَناً مزّقته الفتن والأهواء المِلل والنّحل التحزّبات والجهويات. وشَلَّ فَيْضَ الحياة في عروقه الإرهاب والاضطهاد. يَصنع الحاكم فيه من الأخ عيناً على أخيه ويَصنع الإنسان وقد استعبَدَه القهر ومن الحاكم إلها تُنشَدُ له التّرانيم خوفاً أو تملقا وهو الوطن وقد تَقَمَّصَ في جسد. فلا معنى للوطن إلاّ ما كان كامِناً فيه. حتّى إذا تغيّرت على الحاكم صروف الزّمن وأظهر له الدّهر ظهره المِجَنّ سقط -فجأةً- من عُلاَ أعاليه وغدَت كلّ خيانة وجريمة متجسّدةً فيه ولُعِنَ اسمه على أطهر المنابر وتنطّع لهَجْوِهِ كُلُّ شاعر وثائر. فيالك من وطن لا يَليقُ به سوى الرثاء.

بلى أيّها الوطن إنّا لنرثيك غارقين في أسى مآسيك نحمل عبء حقيقتك الفاجعة على كواهلنا المُنهكة وليلَ تاريخك الحزين في عروقنا النابضة. لا يفاجئنا سقوطك الدّائم نحو حضيض الهاوية بل يفاجئنا أنّك رغم كلّ شيء ما تزال واقفاً على قدميك. بلى أيّها الوطن إنّك لأنتَ أنت الضحية والقاتل الغادر والمغدور التّاجر والمُتاجَر به الخائن والمَخون. لكن أوَاه يُجدي الرثاء ويبعث طولُ البكاء النّبضَ الحَيّ في الجثة الصفراء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.