مباهج العيد واحتفالاته في القاهرة العثمانية

blogs - old cairo

يتخذ أدب الرحلة موقع خاص بين أنواع الأدب التي تصور حياة الإنسان واجتماعياته في الأزمنة المختلفة، وهي مصدر هام من مصادر الجغرافيا والتاريخ والاجتماع لما يقوم به صاحب الرحلة بتصوير لهذه الجوانب في حياة المدن والبلدان التي يقوم بزيارتها، كما أنها وسيلة من وسائل المقارنة والوقوف على مواطن الانفصال أو الاتصال بين عادات الشعوب في الماضي والحاضر.

 

ولقد حوى العهد العثماني مجموعة كبيرة من الرحلات الهامة التي سجلت لنا الكثير من المظاهرة الاجتماعية لشعوب الأقطار العربية وعاداتها، والتي حظيت منها "مصر" بعدة رحلات في القرون العثمانية الأربعة، فمنها رحلة "حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية" "لمحب الدين الحموي" في القرن السادس عشر، نجد كذلك "حالات القاهرة من العادات الزاهرة" للمؤرخ ورجل الدولة العثماني "مصطفى عالي" والتي سجل فيها مشاهداته الاجتماعية لأحوال القاهرة العثمانية أواخر القرن السادس عشر، كما نجد أيضًا الرحلة الكبيرة الهامة للرحالة العثماني "أوليا جلبي" المسماة "سياحتنامه"، والتي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود خلال القرن السابع عشر ساح خلالها في أقطار الدولة العثمانية وخارجها، مع تخصيص الجزء العاشر منها للحديث عن مصر والسودان والحبشة في الفترة من 1672 حتى 1680.

 

يبدأ المصريون التجهيز للعيد قبل حلوله بثلاثة أو أربعة أيام، حيث يقوم الناس بتجهيز مشروب "السوبيا" الذي يشرب في المنزل بديلًا عن "الشربات" في أيام وليال العيد الثلاثة التي يكثر فيها الفرح والزين

وتعد رحلة أوليا من أهم مصادر التاريخ الاجتماعي والحضاري لمصر في أواخر القرن السابع عشر، وهي تعطي لنا نظرة واسعة عن حالة مصر والقاهرة بعاداتها وعمرانها وطباع شعبها وأعيادهم وأشكال أفراحهم وأتراحهم، ومنها مظاهر "عيد الفطر" الذي قام فيها بتفصيل طريقة احتفال الإدارة العثمانية بهذه المناسبة ضمن إطار الأعياد التي يحتفل بها المصريون، كما قام بذكر عادات الشعب المصري في الاحتفال بالعيد، وهي أمور ما زال بعض منها موجودًا حتى الآن.

 

تُرجمت هذه الرحلة ثلاث ترجمات كان آخرها الترجمة التي قام بها الدكتور "الصفصافي أحمد القطوري" في ثلاث مجلدات وصدرت عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، وقد قمت بالاعتماد على هذه الترجمة لنقل النصوص الخاصة بمظاهر العيد واحتفالاته.

 

عادات عيد الفطر لأهل القاهرة في القرن السابع عشر

يلخص لنا أوليا مظاهر العيد في جملة جامعة حيث يقول: "فالاحتفال بالعيد الشريف في مصر يقصر عن وصفه اللسان ولا يجرؤ على التطاول عليه إنسان، وهذا من الأمور المعلومة"، وهذا الوصف الذي امتدح به أوليا ينبسط الحديث عنه في مظاهر متنوعة وطرق احتفال مختلفة، فيبدأ المصريون التجهيز للعيد قبل حلوله بثلاثة أو أربعة أيام، حيث يقوم الناس بتجهيز مشروب "السوبيا" الذي يشرب في المنزل بديلًا عن "الشربات" في أيام وليال العيد الثلاثة التي يكثر فيها الفرح والزينة، ويخبرنا أوليا بأن مشروب السوبيا تختص به مصر وحدها، فيتحدث عن هذا الحدث بعباراته قائلًا:

 

"وخلال هذا اليوم أو أيام العيد لا يشرب الشربات في المنازل قط، بل تشرب "السوبيا" التي تصنع من نقيع الأرز … وهذه السوبيا تصنع في مصر لهذه المناسبة قبل العيد بثلاثة أو أربعة أيام، وكثيرًا ما يوضع بداخلها القرفة والقرنفل، وهي شراب نافع جدًا لمن هم يشتكون من بعض الحموضة.. وهو خاص بمصر وحدها.

 

وتستمر الاحتفالات بهذا العيد السعيد ثلاثة أيام وثلاثة ليال متواصلة، فهذه الأيام كأيام ليلة القدر في مصر، وتزدان ميادين مصر – كميدان الروملي، وميدان حي الإسطبل الأميري، وقره ميدان، وميدان مصر العتيقة، وبولاق وباب النصر وضواحيها، وضواحي حي عابدين، وغيرها من آلاف الميادين – بالمراجيح والدولايب الدوراة، وغيرها من اللعب الصبيانية والشبابية التي تضفي البهجة والفرحة على الجميع".

 

لا ينام أحد من سكان القاهرة يوم "الوقفة" وتتحول المدينة إلى بحر من البشر في أيام العيد، فيخرج عشرات بل مئات الآلاف إلى الطرقات للاحتفال بأشكال مختلفة، ويفضل نساء المدينة "عقد النكاح" في العيد للخروج بسهولة ويسر مع أزواجهم للتنزه والفُرجة.

 

هناك في مصر عبرة أخرى، فخلال هذا الخضم الهادر من البشر ووسط الآلاف بل مئات الآلاف لا يمكن أن ترى رجلًا ثملًا في الطريق العام،  وإذا ما تصادف ذلك، فإنهم يقبضون عليه فورًا ويحضرونه أمام باب دراه ويجلدونه، أو ينفونه إلى قبرص أو إلى حدود بلاد الفونج

يحدثنا رحَّالتنا أيضًا عن بعض عادات العاشقين في العيد واستثمارهم لهذه المناسبة للتقدم إلى الشابات لتقديم التهاني فيقول:

"وانطلاقًا من هذه الفجوة، فإن العشاق الصادقين يشاهدون الجمال، ويشغلون البال والخاطر … وإذا كان بين العارفين رجل واحد فإذا ما رأى مليحة يتقدم نحوها دون خجل أو حياء ويقول لها: ليكن عيدك سعيدًا مباركًا.. ويتمنى لها أن تصل إلى مرادها. إن هذا من العرف السائد في مصر، وليس هذا عيبًا، ولا يعد أمرًا غير مألوف، فالعرف في مصر أنه خلال العيد يكثر العشاق والأراذل".

 

إلا أن الأمر كان في حدود الأدب ولم يتحول كما هو الحال الآن إلى حالات تحرش تصل لحد الاغتصاب للفتيات في العيد في شوارع القاهرة الأمر الذي امتد إلى بعض محافظات مصر أيضًا، فيقول رحَّالتنا معقبًا على أفواج البشر في الطرقات والشوارع:

"وخلال العيد تسير الفتيات والفتيان جموعًا جموعًا ويلعب الصبية والصبايا أفواجًا أفواجًا، ويتجولون في المتنزهات.. وليس هناك أي احتمال ﻷي تجاوزات او اغتصاب لفتى أو فتاة أو سيدة، فلا يجرؤ أي رجل أن يمد يده على غلام أو صبية، فهناك غاية الأمن والأمان بهذا العدد".

 

يلاحظ أوليا أمر آخر من خلال مشاهداته، وهو عدم ملاقاته لأي مخمور في طرقات القاهرة وشوارعها، ويشيد بهذا الأمر وهو يقول:

"كما أن هناك في مصر عبرة أخرى، فخلال هذا الخضم الهادر من البشر ووسط الآلاف بل مئات الآلاف لا يمكن أن ترى رجلًا ثملًا في الطريق العام، ولقد تجولت كثيرًا في الطرق والمتنزهات ولم أصادف مخمورًا قد تردى في الطريق العام أو ثملًا يترنح وهو يسير بين الناس، فهذا أمر معيب جدًا. وإذا ما تصادف ذلك، فإنهم يقبضون عليه فورًا ويحضرونه أمام باب دراه ويجلدونه، أو ينفونه إلى قبرص أو إلى حدود بلاد الفونج، ويظل إلى ما لانهاية في "قلعة صاي" على نهاية حدود بلاد الفونج هذه. فاحتساء الخمر أو الشراب في الطريق العام وبشكل علني ممنوع، وشيء منفور منه تمامًا، ولكن الأشياء غير الملومة كثيرة، وفي العيد الشريف يكثر المصريون من دعوة بعضهم بعضا، ويقيم بعضهم لبعض الولائم".

 

وهكذا وصف لنا رحَّالتنا الكبير مظاهر البهجة والفرح بشرح الكيفية التي يحتفل بها المصريين بالعيد، وهي مظاهر مازال بعضها قائمًا إلى الآن، وسقى الله تلك الأيام كم كانت جميلة ومليئة بالسرور الذي تلاشى من مصر منذ فترة طويلة.