فتيات لا عرائس و دُمى!

blogs - doll
من المؤسف أن تكون الغالبيّة العظمى من الفتيات الفائقات الجمال اللواتي ألتقي بهنّ في المناسبات والأماكن المختلفة لا يملكن ما هو أثمن من القشرة الخارجيّة التي تغلّفهنّ! و لكم يشتدّ حزني عليهنّ لأنّي أُدرك أنّ المجتمعات البائسة بأحكامها الزّائفة هي التي غذّت في حسّهنّ منذُ الصّغر الاتّكاء على خصائصهنّ الجماليّة في استمداد ثقتهنّ بأنفسهنّ والاكتفاء بذلك عن التّنمية الذّاتيّة والشّخصيّة..


أنْ تملك جمالاً ملفتاً يعني أنْ تحظى بدرجة قبول مجتمعي من غير أدنى عناء أو جهد تبذله.. فهل تكمن المشكلة في تلك الأحكام المجتمعيّة أم في وجود معايير لقبول الآخر أم في ضرورة بذل جهد لنيل قبول المجتمع أم في الحصول على اعفاء غير منصف من هذا الجهد؟!!
 

عندما تهمّ الأسرة في مجتمعاتنا للخروج من المنزل فعلى الفتاة أن تنال موافقة جماهيريّة بطريقة مبالغة بدليل الوقت الطّويل الذي تستلزمه التّعديلات على مظهرها الخارجي وتناسق هندامها! كم من طفلة تشعر بحسرة إضاعة وقتها مجبرة أمام المرآة لتقوم والدتها بعمل تسريحة شعر مبهرة في الوقت الذي كان بإمكانها قضاؤه في اللعب مع الصّغار الآخرين..

ثمّ نستهجن لماذا تحصر عقول مجتمعاتنا دور المرأة في أنوثتها، وتجعل منها وسيلة للمتعة لا غير.. فيستحيل التّعامل مع المرأة بالنّظر إلى شخصيتها وعقلها بعيدا عن جسدها.

عدا عن حرمان الفتيات الصّغيرات من انتقاء الملابس التي تروق لهنّ فيتعدّى دور الأم من التوجيه وإبداء الرّأي إلى الاختيار والإجبار والسّخرية من ذوق واختيار طفلتها إذا ما فقدت الأمّ السّيطرة على هندامها! و إذا ما بدأت الطّفلة بالتّفلّت من يديّ والدتها فإنّ الكلمات المعتادة التي تصبّها في وعيها ولا وعيها:  "عيب شو يحكوا عنك النّاس؟"، "بدّك النّاس يحكوا عنك مش مرتّبة مش حلوة"، "بدك الصغار يبطلوا يلعبوا معك"؟

و عشرات الجمل الشّبيهة التي لا تخلوا من كلمة "النّاس".. النّاس ومتطلّبات القبول والإبهار.. لا تُدرك الأمّ أنّها توصل رسائل ضمنيّة مع تلك الجمل التّحذيريّة مُفادها:

 – أنت يا صغيرتي لا تعني شيئا ما لم يمنحك المجتمع أي معنى وجعل منك شيئا.
– عليك أنْ تُراعي معايير المجتمع مهما كانت مشوّهة.

– رأي النّاس حولك مهمّ وعليك الاكتراث في تحصيل أعلى تقدير منهم.
– مظهرك هو معيار قبول أو رفض.
– رأيك الشّخصي غير مهم.
– أنت صغيرة وعاجزة عن ممارسة حرّيّة الاختيار.
– جوهرك الدّاخلي شيء يمكن تجاهله وعدم الاكتراث في الاعتناء به لأنّه غير مهم في الحقيقة.

يحوّلون الفتيات الى عرائس ودمى بشريّة متحرّكة ويبهجون لذلك! هل نستطيع تخيّل فتاة منذ صغرها وهي تتلقّى كلمات المديح والثّناء والانبهار بجمالها ثمّ يعمّ الصّمت في المكان.. فلا تُشكر على أي فعل أو صفة ذاتيّة تملكها عدا جمالها الذي يُعدّ هبة ربّانيّة لم تتعنّى في تحصيله، ثم نستغرب أن لا يسترعي انتباهها ويستدعي همتها أكثر من الاعتناء بتفاصيل قشرتها الخارجيّة!

ماذا عن كونها إنسانة لديها مهارات يجب تنميتها ووعي وإدراك يحتاجان لمتابعة وتغذية مستمرّة.. ماذا عن كونها تتمتّع بشخصيّة وفرديّة تميّزها ويجب إعانتها على الالتحام بكيانها الذّاتي لتصير أكثر قوّة وجرأة وإنتاجا وفاعليّة.. ماذا عن كونها لُحمة بشريّة من مظهر وجوهر، من جسد وروح وقد تتعرّض كأي انسان لخبايا الزّمان من ظروف قاهرة وانكسارات وتخبّطات..

عندما تهمّ الأسرة في مجتمعاتنا للخروج من المنزل، فعلى الفتاة أن تنال موافقة جماهيريّة بطريقة مبالغة، بدليل الوقت الطّويل الذي تستلزمه التّعديلات على مظهرها الخارجي وتناسق هندامها.

ألا تحتاج حينها لمؤونة من الإعداد النّفسي لتجاوز عثرات الطّريق والخبرات المؤلمة؟! وأنّى لها ذلك إذا ما كانت متانتها النّفسيّة تأسّست على معايير زائفة.. فهي هاوية وهشّة وغير مؤهّلة! و ماذا لو فقدت هذا الجمال فبما تتقوّى وعلام تتّكئ؟! الأنوثة غريزة كأي غريزة أخرى تحتاج لفرص تفاعليّة وتجريبيّة ليتمّ التّعرّف عليها والتّمتّع بها.. ولكن بالقدر الذي لا يطمس ما تبقى من إنسانيّة وتفرّد ذاتي وشخصيّة..

ثمّ نستهجن لماذا تحصر عقول مجتمعاتنا دور المرأة في أنوثتها وتجعل منها وسيلة للمتعة لا غير.. فيستحيل التّعامل مع المرأة بالنّظر إلى شخصيتها وعقلها بعيدا عن جسدها.. فعقل المرأة يتجلّى لديهم في جمالها لا غير، ففي حال لم تكن امرأة جميلة فهي بلا عقل!