شعار قسم مدونات

ثم نسميها محاولات شعرية

مدونات - رجل
محاولات شعرية، هل هوعنوان متدثرٌ بالخوف من قول الشعر، أم أنه هروب من نقده وعدم الإجادة، إذ تبقى المحاولات محاولات ولوأخطأت، أم تواضع مصطنع، فيكون ما تقول جيداً، لكنه في النهاية محاولات.

في كل مرة تُلِّح علي نفسي أن أتدفق شعراً، لا تشفي غليلي معه كل النثريات، ولا جُمل السوشال ميديا المقتضبة، أجدني أمام وزنٍ موسيقي، وقافيةٍ مكبلّة، ومعنىً وجب أن يكتمل، ظاهراً أوضمناً، أجدني، متردد الأهواء بين زخمِ القديم الزاخر وحداثة المتمرد الثائر، أجدني قائلاً:

منْ يُخبرُ العشرَ الأواخرَ أنني
سلطانُ عشقٍ قلّبتهُ الأحرفُ
يَمضي على طرف الفراش مجاهداً
إغفاءَ جَفن ٍلا يكادُ فيطرفُ
يسعى إلى ما خطّهُ شعرُ الورى
فيقلبُ الأوراق فيها يُسْرفُ
فيعودُ موجوعاً بأبياتِ الهوى
ويَبيتُ يذوي فوق ليلٍ ينزفُ
لا يعرفُ الأشعارَ إلا نغمةً
ويتوهُ في َمْن مِنْ بحورٍ يغرِفُ
هذي القوافي صنعةٌ مزدانةٌ
فيها يكابد لاعجي المتلهفُ

وإذا ما داهمتني الحمى، على عادتها الصيفية، إذ أنها تترك شتاء كاملاً مليئا بالبرد والمطر والثلج، لتستقر في عظامي على قيظ الصيف، لتزيد الحر حراً، لتوقظ في صوراً شعرية ما كنت أقولها لولا الهذيان:

حُمّى وأوصال الخواء مُزَلزَلَة
ويكاد قلبي لا يجود لأجهله
مستغرقاً في رجفة تودي به
مسنونة الأطراف حد المقصلة
حمى وتختار الرجال بحنكة
أطراف صبحٍ أو مساءٍ أليلَه
وتزيد في أزّ الزمان لطينةٍ
دبت بها روح الحياة مهلِّلَة
لا تكتفي مني وهاتي غربتي
وقلوب قومٍ يرفعوني منزلة
وطيور حب تستريح بواحتي
لا ترتضي مني سبات الأسئلة
حمى وقد غرق الفراش تعرُقاً
ونسيم صيف لاهبٍ ما أرسلَه؟
لا تفرحي حُمّاهُ همسُ كريمةٍ
سيعيدني حيّاً ضَروب الأمثلة

وقد تستغرق في استفاضة وجد، أو إشراقة معرفة، أو استنارة روح، فيغزوك تساؤلٌ ويستبد بك هيام، فتتوه قولاً ومعنى، فيغدو شعرك قائلاً:

أوتيتَ سُؤلاً بالمدائنِ لمْ تزلْ
في الطُّورِ والقَبَسُ المضيءُ دليلا
أَتْممْتَ عشرَكَ في البقاعِ أمِ ارتَضَى
نَفَسُ الرُّعاةِ منِ الدُّنوبدِيلا؟
أخلعْتَ نَعلاً بالصعيدِ أمِ اكتَفَى
هذا الصّعيدُ مِن القليل قليلاً؟
أَسْرَجتَ خَيْلاً في الضّروسِ أمِ الوَفَى
مِن جوفِ خيلِك في الضّروسِ صَهيلاً؟
قُرّبت في النجْوَى اللّيالِي، لَنْ تَرَى
"أرني" السُّؤالَ إِلَى الجَوابِ سَبِيلاً

حتى إذا ما تساءلت في لُب العبادة، وأصل القرب، وإرادة الوصل، تدفقت بيتين خفت أن تكملهما، وكيف لا يخاف من يتلمس طريقي الشعر والنجوى: 

طُفْتُ الوَدَاعَ بِحَضْرةٍ لَوبُحْتُها
لَتَناوَبَتْنِي بالرّحَى الثّقَلانِ
وَلَساءَلَتْني عَنْ هُداي "كَفَرتُهُ"؟
واللهُ فِي لُبِّ الجَوابِ كَفَانِي.

ثم تنقبض، وتقع تحت وطأة المقارنة بأشعار من تعرف ومن لم تعرف، وتدرك أن ما قلته قابل للتجويد مراتٍ ومرات، وأن عظماء الحوليات من القصائد، لم يطلقوها قبل الحول وقد أشبعوها تنقيحاً. لكن هذا الكمال، هو بغية الإنسان ما دام ساعياً، وهو اللامدرَك مهما سعيت وبلغت، وهذا الذي تتدفقه إنما هو بوحٌ، قد يلاقي حروفاً تحسن احتضانه، وآذاناً تستحسن استماعه، واستعاراتٍ لا نهائية التكوين، فتستمر على بوحك قائماً إذا ما اقتات على قلبك الشعر، ولَم ترَ غير القصيدة ملاذاً، قصيدةً لا تغني عن ما في داخلك شيئا لكنه قَدَرُ البائحين.

قلبي فداء الساكنين بمعبدٍ
متقوس الأضلاع والجنبات
يقتات من نبض المتيم بالهوى
وسكونه في الله والآيات

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.