الوحي والوعي

blogs قرآن
هذان المصطلحان هما الأجدر بوصف العلاقة بين كلام الخالق وفهم المخلوق على الأقل من وجهة نظري، وقد ذكرت ذلك في بحثٍ منشور عن الوحي والوعي وجوهر الصلة بينهما. وبداية فالوحي الخاتم هو: ما في القرآن أصالةً والسنة الصحيحة تبعاً وتبياناً من: ألفاظٍ ومعانٍ، وأسماءٍ وأحكام، ودلالاتٍ وكمالات، ومطالب وغايات، وأمرٍ وخبر، ووعدٍ ووعيد، وما أشبه ذلك، وهو النص الإلهي الخاتم المهيمن الحاكم على كل نص. والوعي في مقابل الوحي : هو حالةُ كمالٍ بشري في تلقي الوحي.

ورغم ثراء الجهود التراثية في مسألة العقل والنقل، وعلو قامة المشتغلين بها، وضخامة الاشتغال ببيان العلاقة بينهما، وتعدد مجالات الرأي فيها والتأثير، على جميع المستويات المنهجية والمعرفية، إلا أن الشعور المتزايد بضرورة الانطلاقِ إلى آفاق أوسع وتجليات أعمق، وتأصيلٍ لمنطقٍ آخر يلبي فاقَةَ اليوم وحاجة الغد، والرغبة في تجاوز المواقف الجدلية، والتوجه لمواصلة سير العلم والمعرفة، والشروع في مستوى آخر، يستنطق هداية الوحي ويترجم دراية الوعي، ويشارك في صنع المستقبل، ويسهم بفاعليةٍ وأصالة في التدافع الحضاري.

هناك معالجات تاريخية ضخمة لهذه العلاقة على امتداد تاريخ الأديان، وسنلحظ أنه تمت معالجة العلاقة بمصطلحات هي دون مصطلحي الوحي والوعي دلالةً وهداية.

إن هذا الشعور تزامن مع توارث الأجيال لجدل مكرور في مسألة العقل والنقل هذه، جدل بدأ في أول أمره منتجاً للمعرفة ومؤثراً في الفكر والثقافة، وآل به الحال إلى جدلٍ تقليدي يُصنِّفُ ويُخَندِقُ ويُطفئ نور الاجتهاد، ويشعل نار التقليد، حتى وصلنا بشكل حدي إلى مسلكين مهيمنين على فكر ونتاج العقول المسلمة طيلة قرون متتالية:

المسلك الأول: الممانعة ضد أي اجتهاد تفسيري أو مفهومي لهذه المسألة بدعوى الثبات على الحق، والمحافظة على الثوابت ، وحماية النقل.
والمسلك الثاني: الاقتحام بدعوى التجديد والإصلاح، ونبذ الجمود والتقليد، وإعمال العقل.

وبطبيعة الحال هناك من يسعى للمصالحة بين الطرفين، وهذا قد يكون مسلكاً ثالثاً، لكنه متهمٌ على الدوام من كلا الطرفين بالتلفيق لا التوفيق مع كل حوارِ أو حراك يحاول فيه المقاربة بين الأفكار أو الأشخاص أو المشاريع المؤثرة في المجتمعات المسلمة.

ومع مزيد من البحث سنجد أن هناك معالجات تاريخية ضخمة لهذه العلاقة على امتداد تاريخ الأديان، وسنلحظ أنه تمت معالجة العلاقة بمصطلحات هي دون مصطلحي الوحي والوعي دلالةً وهداية، فاللاهوتي والناسوتي، والشريعة والفلسفة، والأثر والرأي، والرواية والدراية، والمعقول والمنقول، والعقل والنقل، والتراث والفكر، وغيرها من الثنائيات التي تعالج الفهم البشري للنص الإلهي، أياً كان هذا النص، وأياً كان ذلك الفهم.

ولاشك أن للمتغيرات الظرفية والإكراهات التاريخية والأفكار المهيمنة في كل عصر وطأتها على أرباب هذه المعالجات والاجتهادات، ولذلك فمعالجات الأمم قبلنا غير معالجاتنا نحن أتباع النبي الخاتم، وفي أمتنا نكاد نجد تطوراً في المعالجة في كل قرنٍ تقريباً.

الوحي الخاتم هو: ما في القرآن أصالةً والسنة الصحيحة تبعاً وتبياناً من: ألفاظٍ ومعانٍ، وأسماءٍ وأحكام، ودلالاتٍ وكمالات، ومطالب وغايات.

تظهر هذه المعالجات في شكل مقولات واجتهادات ومواقف وأحكام، وتكون هي الميدان الأكثر حضوراً وجدلاً وتأثيراً في الفكر والاجتماع والسياسة بل والسلم والحرب! ولسنا نرصد هذا كله في مقال، ولكن تقنيات المعرفة اليوم تمكننا من هذه القراءة الأفقية التي قد لا يخالفنا فيها إلا من طغت عليه القراءة العمودية.

الوحي والوعي ثنائية أصيلة وعميقة مصطلحاً ومفهوماً وتطبيقا، وستكون الجهود التاريخية والمعالجات السابقة هي مصدر إثراء لنا في تجديد صلة الوعي بالوحي متى انطلقنا من مقصدٍ مشترك كلي أعلى يقول بضرورة الاجتهاد في محاولة الاستيعاب البشري للمراد الإلهي كلما تجدد الوعاء الثلاثي زماناً ومكاناً وحالاً وضعفت المعالجات السابقة أو السائدة عن الوفاء لهيمنة الوحي على الوعي بشكل مطلق وجلي، يصلح الحال والمآل، والدنيا والآخرة، ولا يكذب بها الله تعالى ولا الرسول صلى الله عليه وسلم.