العالم والسلطان (1)

blogs شيوخ

قال مُهَنّا: سألتُ أحمد بن حنبل عن: إبراهيم الهروي، فقال: رجل وسِخ.
فقلت: ما قولك إنه وسخ؟
قال: من يتبع الولاة والقضاة؛ فهو وسِخ.

(1)
ثمة علاقات قائمة بين السلطة السياسية و(الدين)، سواء أكان في تشكلاته الرسمية، أو القريبة منها، أو تلك التي في المجال العام كجماعات ضغط أو توجيه رأي أو حتى نضال. ذلك هو الموضوع القديم الجديد الذي تناولته كثير من الأقلام، لكل منها وجهة هو مُوليّها.

وفي ظلّ الواقع المتشابك المعقد الذي نعيشه في تلك المرحلة، ومع عملية الإحلال والتبديل الضخمة التي تجري حاليًا للمفاهيم على جميع المستويات، سواء الديني منها أم السياسي؛ فإن فحصًا ضروريًّا على جميع المستويات: الشرعية والتاريخية والواقعية، بعيدًا عن الآراء المبتسرة الصحفية الانفعالية على الجانبين؛ ينبغي إجراؤه على تلك العلاقة الخطيرة التي تؤثر على الدين والسياسة جميعًا، بما يعني تأثيرها على كل مظاهر الحياة في مجتمعات لا يزال للدين مكانٌ ما في وجدانها وسلوكها.

والذي نبتغيه في هاته المقالات أن نحلل تلك العلاقة بين العالم والسلطان، ودوائرها ومدَياتها المختلفة، والحدود المتباينة لها، شرعًا وكونًا، ما بين المأمور أو المشروع، والمكروه المخوف الخطير، والمحرم القطعي الحرمة. لما في ذلك من بيانٍ أولًا، ولما فيه من نفعٍ يُعين على تمييز المراتب المختلفة من العلماء والدعاة وتعاملاتهم مع السلطة، بما يفضي إلى القيام في جميع ذلك بالعلم والعدل، جامعين بين التحليل الشرعي والتاريخي الواقعي، مع التماسّ مع واقعنا المعيش المعاصر.

وجدير بالإشارة أننا قد أسهمنا في ذلك الملف من قبل بمقالتين: الداعية والسياسي (رابط)، والفقيه والسلطة (رابط)، وإن كان كلُّ مقالٍ منهما قد ألقى الضوء على نقطة محددة، سواء الخلط بين الدعوي والسياسي، في المقال الأول، أو التحليل الطيفي لأنماط تعامل العلماء مع الحكام واقعيًّا. وهما أمران يتقاطعان، بلا شك؛ مع ما نود تقديمه الآن، وقد تتخلل هاته المقالاتِ إشاراتٌ لذلك.

يمكن إجمال مواقف العلماء من التعامل مع السلطة في اتجاهين رئيسين: موقف المبيحين للتعامل مع السلطة – تسمى القضية تراثيًّا في الغالب: حكم الدخول على السلطان -، وموقف المانعين. وينبغي أن نكون على وعي مستمر بالاختزال الذي يقتضيه التقسيم، بما يعني السماح بالمرونة اللازمة لوجود مواقف بينية متنوعة.

(2)
السياسة والسلطة والحكم والسيادة؛ أمور خاضعة للشرع وفق التصور الإسلامي المؤسَّس على الكتاب والسنة. وبما أن المخوَّل بتحقيق ما أراد الشارع وما لم يرده؛ هو العالِم بالشرع، فثمة تقاطع أكيد ومجال مشترك حتمي بين السلطة السياسية الزمنية، في جميع مجالاتها، وعالم الدين. لقد تعرضنا لتلك العلاقة بين الإسلام وتفاصيل الحياة (رابط) في مقال سابق.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تنطلق المدونات الفقهية السياسية – من تصور نموذجي كامل مدعوم بالتجربة التاريخية الأولى – من أن الحاكم يشترط فيه أن يكون عالمًا بالدين من أهل الاجتهاد. وإن تعذّر وجود ذلك – من تصور واقعي زمني -؛ فإنه ينبغي عليه أن يتخذ من المستشارين والمعاونين العالمين بالشرع من يوقفونه على ذلك. وهذا فضلًا عن المجالات الأخرى التي يتعاون فيها السياسي مع الديني بصورة أقل مباشرة من ممارسة إجراءات الحكم، كما في المجال القضائي، الذي (يفترض) فيه أن يتمتع بمساحة واسعة من الاستقلالية عن التدخل السياسي. وإن كان الواقع قد يفرض تداخلات واحتكاكات أيضا، بما يستلزم نوعًا من التعامل. كلُّ ذلك يعني أن التعامل بين الديني والسياسي؛ أمر حتم لازم، ولو في مستويات معينة.

(3)
لم تكن القضية – قضية العلاقة بين العالم والسلطان – محل إعضال في زمن الخلفاء الراشدين، إذ لم يكن هناك خلاف معتبرٌ في الوعي الجمعي للعلماء – جيل الصحابة والتابعين – على عدالتهم وأنهم أنفسهم من كبار أهل العلم والدين، فإن التعامل معهم لم يتمحَّض في اللحاظ السلطاني قط، لأنهم لم يكونوا قط سلاطين وحسب، بل علماء فقهاء ورعاء أولياء، وهم مع ذلك هم الحكَّام. بل إن بعضهم – وبخاصة الشيخين – كانا يمثلان المرجعية الدينية العامة للمسلمين، بمثابة الوالد للأمة والقائم على أمر الدين بالخلافة عن الرسول شخصيًّا بصورة جليّة.

إلا أن الوضع قد تغير مع انحراف السلطة عن المعايير الشرعية شيئًا فشيئًا، بدءًا من أواخر عصر الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، وصولًا إلى أيلولة الأمر إلى الصحابي معاوية بن أبي سفيان، ثم تمادي الانحراف مع استلام ولده يزيد للسلطة، ثم مَنْ بعده من ولاة بني أمية وبني العباس. وهذه هي المرحلة التاريخية التأسيسية للفكر الإسلامي – والعلوم الإسلامية – بجميع مدارسه.
ومن هذه النقطة نشأت اتجاهات مختلفة، من النظر والسلوك؛ في قضية التعامل مع السلطة، بخاصة تلك التي خفّ ارتباطها بالشرع، علمًا وعملًا، وصولًا إلى الحاكم الظالم بالمعايير الشرعية.

(4)
اختلفت اتجاهات العلماء المعتبرين في تلك الحقبة الزمنية الواسعة نسبيًّا؛ في قضية التعامل مع الحكام.
ونحن إذ نحلل الاتجاهات العلمائية؛ فإننا لا نقصد بها إلا اتجاهات العلماء المعتبرين على نحو واسع في التاريخ الإسلامي – الذين لهم قدم صدق في الأمة، وأجمعت على هدايتهم ودرايتهم بحسب التعبير التيمي المليح -، وإلا فإن الشذوذ عن تلك الاتجاهات السائدة المتعارفة هو أمر طبعي موجود في كل زمان ومكان، فقد كان بعض قُدماء الشاميين الغالين في طاعة الأمويين يعتقدون أن الإمام تجب طاعته في كل شيء، وأن الله إذا استخلف إمامًا تقبّل منه الحسنات وتجاوز له عن السيئات.

لا يخفى على ذي عقل، أنه لو امتنع أهل العلم والفضل والدين عن مداخلة الملوك؛ لتعطلت الشريعة المطهرة، لعدم وجود من يقوم بها، وتبدلت تلك المملكة الإسلامية بالمملكة الجاهلية في الأحكام الشرعية من ديانة ومعاملة، وعم الجهل وطم، وخولفت أحكام الكتاب والسنة جهارًا.

ولكن لا يمكن ادعاء أن مثل تلك التصورات مثّلت جوًّا عامًّا عند العلماء المعروفين المقبولين. وبيّنة ذلك أن التاريخ لم يحفظ لنا أعلامًا من علماء المسلمين قالوا بمثل تلك المقالات، ولو كانت منسوبةً لعالم كبير؛ لَلَزِمَ أن تشتهر. كما أننا نلاحظ الأجواء الإنكارية لتلك التصريحات في كلام العلماء المعاصرين واللاحقين عليها. وأخيرًا: فإننا نجد بعض العلماء قد يبالغ في الإنكار على من توسّع في معاملة الحكام ولو كان بقصد حسن، ولو لم يبلغ – قطعًا – تلك المرحلة من الغلو القبيح. كما في موقف بعض العلماء من توجّه الزهري على سبيل المثال.

(5)
يمكن إجمال مواقف العلماء من التعامل مع السلطة في اتجاهين رئيسين: موقف المبيحين للتعامل مع السلطة – تسمى القضية تراثيًّا في الغالب: حكم الدخول على السلطان -، وموقف المانعين. وينبغي أن نكون على وعي مستمر بالاختزال الذي يقتضيه التقسيم، بما يعني السماح بالمرونة اللازمة لوجود مواقف بينية متنوعة، مقلة ومستكثرة، جرى إدماجها في هذين الاتجاهين لإجراء التصنيف.

(6)
الاتجاه الأول: المبيحون:
أبرز من يعزى إليه القول بإباحة الدخول على السلطان لنصحه: الحسن البصري، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والشعبي، ومالك، والشافعي، وغيرهم، وهو القول الذي اختاره من المتأخرين ابن عبد البر وابن الجوزي وابن مفلح، والسيوطي، وانتصر له الشوكاني في رسالته. ويستدلون على ذلك بعموم الأدلة على الأمر والنهي، وحديث: (الدين النصيحة، … ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وما ورد من النصوص المعظِّمة لجهاد السلاطين بأمرهم ونهيهم وأن القتل في ذلك شهادة.

يغلّب ذلك الاتجاهُ عِظَمَ المصلحة في نصح الحاكم، وعدم تركه لهواه وبطانة السوء، لعله ينصلح بالنصيحة فيترتب على ذلك خير عظيم. يقول الشوكاني في بيان ذلك التغليب المصلحي: «ولا يخفى على ذي عقل، أنه لو امتنع أهل العلم والفضل والدين عن مداخلة الملوك؛ لتعطلت الشريعة المطهرة، لعدم وجود من يقوم بها، وتبدلت تلك المملكة الإسلامية بالمملكة الجاهلية في الأحكام الشرعية من ديانة ومعاملة، وعم الجهل وطم، وخولفت أحكام الكتاب والسنة جهارًا لا سيما من الملك وخاصته وأتباعه، وحصل لهم الغرض الموافق لهم، وخبطوا في دين الإسلام كيف شاءوا، وخالفوه مخالفة ظاهرة، واستبيحت الأموال واستحلت الفروج، وعطلت المساجد والمدارس، وانتهكت الحرم، وذهبت شعائر الإسلام، ولا سيما الملوك الذين لا يفعلون ذلك إلا مخافة على ملكهم أن يسلب، وعلى دولتهم أن تذهب، وعلى أموالهم أن تنهب، وعلى حرمتهم أن تنتهك، وعلى عزهم أن يذل، ووجدوا أعظم السبل إلى التخلص عن أكثر أحكام الإسلام قائلين: جهلنا، لم نجد من يعلمنا، لم نلق من يبصرنا، فر عنا العارفون بالدين، وهرب منا العلماء العاملون، وفي الحقيقة أنهم يعدون ذلك فرصة انتهزوها، وشدة أطلقت عن أعناقهم، وعزيمة إسلامية ذهبت عنهم، ومع هذا فلم يختصوا بهذه الوسيلة التي فرحوا بها، والذريعة التي انقطعت عنهم، بل الشيطان الرجيم أشد فرحًا بذلك، وأعظم سرورًا منهم، فإنه قد خلى بينه وبين السواد الأعظم، يتلاعب بهم كيف شاء، ويستعبدهم كيف أراد».

حقٌّ على كل مسلم أو رجل جعل الله في صدره شيئاً من العلم والفقه أن يدخل إلى ذي سلطان يأمره بالخير، وينهاه عن الشر، ويعظه حتى يتبين دخول العالم على غيره؛ لأن العالم إنما يدخل على السلطان لذلك؛ فإذا كان فهو الفضل الذي ليس بعده فضل.

(7)
ولكنّ الذي ينبغي التوكيد عليه بوضوح، أن هذا الاتجاه لم يفعل أكثر من تغليب تلك المصلحة المرجوة على المفسدة المتوخاة، التي قد تصل إلى حد المغامرة بالنفس وإتلافها أمام ظلم السلطة، ولم يقل أحد من علماء هذا الاتجاه بجواز مداهنة الحاكم الظالم، أو تزيين باطله له، أو موادته وتحسين صورته وتسويغ فعاله.

ونصوص هؤلاء العلماء ومواقفهم تبين ذلك التفريق الحاسم؛ صراحة. فموقف الإمام مالك من الأئمة الجورة، وإبائه أن يتولى لهم عملًا، ورأيه أن لا يقاتل مع الحاكم الظالم لحماية سلطته ضد من خرج عليه، وفتواه الفقهية ذات البعد السياسي بعدم وقوع طلاق المكره، التي استعملت ضد بيعة المنصور الجبرية بالطلاق وترتّبت عليها محنة مالك المشهورة مع جعفر بن أبي سليمان؛ كلُّ ذلك ينسجم مع قوله المؤيد للدخول على السلطان لنصحه وزجره: «حقٌّ على كل مسلم أو رجل جعل الله في صدره شيئاً من العلم والفقه أن يدخل إلى ذي سلطان يأمره بالخير، وينهاه عن الشر، ويعظه حتى يتبين دخول العالم على غيره؛ لأن العالم إنما يدخل على السلطان لذلك؛ فإذا كان فهو الفضل الذي ليس بعده فضل». وقد دخل مالك على الرشيد، وكذا اجتمع بالمهدي وقسا عليه، وخبر رفضه تعميم الموطأ مشهور.

وقد قال الشوكاني – أبرز علماء المتأخرين المنتصرين لهذا الاتجاه، ولعل ذلك يرجع للقصة المشهورة في توليه القضاء، وفي خطبة رسالته (رفع الأساطين) ما يبين ذلك الضابط الذي يحذّر ذلك الاتجاه من تجاوزه: «وكلامنا فيمن يتصل بهم، غير معين لهم ما لا يحل، ولا مشارك لهم بيد ولا لسان بل يكون رجلاً مقصده بالاتصال بهم: الاستعانة بقوتهم على إنفاذ حكم الله عز وجل، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بحسب الحال، وبما تبلغ إليه الطاقة».

في الجزء الثاني نعرض موقف المانعين، وفلسفته، قبل أن نخوض في التطبيق المعاصر لتلك العلاقة وموقعها بين الاتجاهين.