شعار قسم مدونات

الأزمة العربية ومآلاتها.. اغتيال العقل (2)

blogs كتب تاريخية
ماذا بعد الوعي بالمشكلة؟ وكيف يكون الخروج من هذا المأزق التاريخي وتحقيق التقدّم؟ هل ثمة قاعدة وبوصلة ثابتة يمكننا السّير عليها؟ وهل ضالتنا في التراث أم في الحداثة؟ لماذا لا نسأل: كيف نصنع إبداعنا نحن ونتجاوز معضلة التقليد في الماضي أو الحاضر؟ وما هو دور الذات العربية في الوصول إلى إبداعها؟ 
لا يمكن أن يكون بناء الحضارات بهذه السهولة والبساطة وحتى الثقافة التي تعبّر عن ماهية المجتمع بكل جوانبه. "حان الوقت للانتقال من تهديم التراث إلى محاسبة العقل"، هل العقل الذي يقصده غليون هنا الثقافة أم الحداثة؟ يصف غليون محاسبة العقل قائلاً: "أي محاسبة أنفسنا، جيل المتعلمين وطريقة تفكيرنا الراهن، ونظرياتنا واستراتيجياتنا التي تحدد غايات وأهدافاً جماعية في الثقافة والاجتماع معاً".

حسناً، وماذا بعد محاسبة العقل؟ التوفيق بين التراث والحداثة أمر شبه مستحيل كما اعتبره غليون، فكيف بنا نجد الحل ونتجاوز المأزق؟ فإن لم يكن التوفيق قد ينفع إذن هو تجاوز الاثنين معًا! فلطالما أن التراث والحداثة في صراعٍ في الجو العام في العقل العربي والمصالحة بينهما استحالة، فلم يتبق لنا إلا إلغاؤهما نهائياً من العقل العربي الذي قد أحاطاه بالقيود والسلاسل. يمكننا بالمنطق أن نصل إلى هذه النتيجة لكن للمفكر برهان رؤية ورأي آخر، فيعرّف التاريخ بأنه "هو صراع بين ذوات جماعية من أجل التجاوز الحضاري المادي والفكري".

نذكر تعريف فيلسوف التاريخ هيجل أنّ الحرية هي غاية التاريخ، وكانت الحرية أيضاً لدى غليون الغاية التي يهدف لها التاريخ، والوسيلة للوصول إليها تكون في خلق مناخ للإبداع والحوار.

علينا أن نسأل هنا السؤال الأهم: مَن هي الذوات الجماعية التي قصدها بالتعريف؟ يجيبنا غليون أن كل ذات تندمج في ذات أخرى وتنسى ذاتها أو تتقوقع على ذاتها وتلغي الآخر، فهي بذلك تعلن انسحابها من التاريخ وخروجها من الحضارة. إذن، مَن هي الذات الجماعية المتصارعة؟ الذات المتصارعة هي الذات التي يُخلق عندها التوتر المبدع ويدفعها إلى عدم الأخذ بالحلول الجاهزة وعدم القبول بالأمر الواقع كنهاية للتاريخ وحافز الإبداع. والذات المتصارعة المبدعة التاريخية هي الاختلاف والتناقض العميق بين الثقافة والحضارة، بين الذاتية والعالمية، وهذا هو مصدر تطور التاريخ والحضارة معاً.

كيف يمكننا أن نحقق هذا التناقض والإبداع في آن معاً؟ وما هي الغاية النهائية التي نرجو الوصول إليها من هذه الازدواجية؟ يعرّف غليون الإبداع الذي نريد: "الإبداع الذي يوحّد التراث والحضارة ويتجاوزهما في الوقت نفسه، نأخذ من الحضارة لا نؤخذ بها، ونحيي التراث ولا نحيا به، ونرفض الحلول السهلة ونرفض التقليد من أي طرف". الحلول التي تأتي من هذا التناقض المثري والازدواجية في الثقافة العربية الحديثة ليست إذن مرضاً يجب التخلص منه. ومن هذه المقدمات يصل بنا غليون إلى أنّ "الصراع والتناقض شرط من شروط مستقبلنا ووجودنا وهو أصل وجوهر التاريخ، وأن الصراع مصدر الحرية ومنبع التقدم".

وقد حوّل غليون هذا الانقسام الفكري والتشتت في العقل العربي إلى مصدر للتطوّر وتطوير ذاتيتنا والتوازن الاجتماعي والتاريخي وإغناء الثقافة، ومن هذا الإبداع يصبح الحوار ممكناً، وتصبح حرية العقل شرطاً لاستمرار هذا الحوار، والتغيير الفعلي كما عبّر عنه غليون يكون في حرية الثقافة.

إثراء الثقافة العربية بكلّ التناقضات وتجاوز الانحياز والانطواء، كل ذلك سيشكّل حينها العقل العربي الحرّ، لوحة تضم جميع الألوان والأشكال بجميع الاختلافات.

ربما نذكر تعريف فيلسوف التاريخ هيجل أنّ الحرية هي غاية التاريخ، وكانت الحرية أيضاً لدى غليون الغاية التي يهدف لها التاريخ، والوسيلة للوصول إليها تكون في خلق مناخ للإبداع والحوار والنقاش والتناقض دون أحادية الفكر أو إلغاء الآخر.. برهان غليون يحاول أن يخرجنا من المأزق التاريخي إلى الحرية والمدنية العربية المنشودة التي هي ثمرة هذا الإبداع والتناقض والصراع دون فوضى واقتتال ودمار وتدمير للإنسان.

إثراء الثقافة العربية بكلّ التناقضات وتجاوز الانحياز والانطواء، كل ذلك سيشكّل حينها العقل العربي الحرّ، لوحة تضم جميع الألوان والأشكال بجميع الاختلافات الدينية والفكرية والقومية والأديولوجيات والأحزاب، ومن هنا تنبع الحاجة إلى عقد اجتماعي متكامل يكون فيه الاختلاف والصراع الحرّ أحد مقوّماته وأساساته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.