شعار قسم مدونات

مسرع أنت يا رمضان

blogs مارثون العبادات

كَثِيرُوا الخطايا والذنوب نحن يا الله، فُقراء تَحت غِناك، ضُعَفاء أمام أنفسنا، مُحتاجون لرحمتك، مُتَقلبون من حال إلى حال، صابرون أحيانا ومُسْتهترون أحيانا أخرى، فغالباً ما نَتوه وسط دوامة الحياة ونستأنس بروتيننا اليومي الذِّي كاد ليخلو من ذِكرك، لولا بعض الركعاتِ التِّي نقومُ بها بعد تكاسلٍ وتهاونٍ شديدين، كثِقل أو ديْن نرغب في التَّخلص منه بسرعة ونعود بعده لنَحْمل هواتفنا، لنُشغِّل التلفاز أو لنَنْصرف إلى أحِبَّائنا وندخل إلى عالمٍ آخر ننسى فيه حَتَّى أنفسنا.

ننسى أنَّ لنا ربا رحيماً كريماً قريباً منا، يحبنا حُبَّ الأبوين لأبنائهم وأكثر، ويَدْعُونَا إلى اللّجوءِ إليه حينما تضِيق بنا الدُّنيا وتُعمى أبصارنا، ننسى أنَّ له أذناً تسْمعنا دون كللٍ أو مللٍ وتفهم قصدنا حتى لو أخطأنا في اختيار الكلمات الصائبة، بل وتفهمنا دون أن نتحدَّث أبداً، فاتِّصال روحي واحد كافٍ ليَختزلَ المسافات الشَّاسعة بينَنَا، ويُبطِل مفعول كل لغاتِ العَالم.

نَنْسَى أنَّ الله جاهز ليحتضننا في لحظات الضُّعفِ والانِكسار، ليَحمينا دون أن نَحتاج لردِّ الجميل له، ودون أن يُدخل مساعدتَه لنَا فِي حساباته.. ننسى أنه ينصفنا وينصرنا عندما يظلمنا العالم ويردُّنا إليه رداً جميلاً كلَّما انْحرفنا عنِ الطَّريق المستقيم، إذا لَامس فِي قُلوبنا ذرة واحدة من النَّدم.. ننسى أنَّ بذكر الله تطمئن القلوب وأنه يقبلنا بكل أخطائنا، عيوبنا ويغفرُ لنا ذنوبنا مهما كبُرت، كثُرت وتنوَّعتْ ويُصلح قلوبنا المنْفطِرة مهما بلغ عُمق جُرْحِهَا.

سَعِيدٌ ذلك الذي استثمر هاته الفرصة على أحسن وجه، وتَفَنَّنَ في الطرق للتقرب من الله والعودة إليه، متيقنا من زوال تعب العبادة وبقاء الأجر. ها هو رمضان يستعد للرحيل، لِيَعُود السَّنة القادمة لا محالة، لكن من يدري إنْ كُنَّا سندركه ونعيشه بكل الطقوس من جديد

داء النسيان يكاد يأخذنا نحو الهاوية، إذ يطغى بعضنا، ويتكبر البعضُ الآخر، دون أن يتذكَّر أن الله أكبر؛ ويكسر أحدنا قلوب الناس دون أن يكترث ويضع الله في الحسبان، أو ينهب أموالاً ليستْ له يتَنَعَّمُ بها، بينما يَموتُ أصْحابها جوعاً وبرداً، كذلك الحَاكم الذي ضحَّى بكلِّ شعبه كي ينجو ويبقى متربِّعاً على العرش، كمَا لوْ أنَّه سيُعَمِّرُ ألف سنة، ليَطْمع في الخُلود بعد أن تنتهي، وكما لو أنَّ الموتَ سيُحصي الجميع ليتجاوزه، ظناً منه أنَّه يحملُ حصانَةً زائفة اقْتَلعها من مئات الأرواح دونَ رحمة ولا شفقة.

لكن الله يُمْهِلُ ولا يُهْمل، ورغم كل ذلك يمنحنا فرصا أخرى، لأنه عليم بما في صدورنا وما تُسَوِّله لنا أنفسنا، فَأنعم علينا بنعمة شهر رمضان الكريم.. شهر التقوى والغفران والعتق من النار، وفَتَح لنا المجال لنُصْلِحَ أَخْطَاءنا، لنجبر قُلوبنا، لنُزِيلَ الحِقد القابع فيها، لنُنَظف صفحاتنا، لنَصِلَ أرْحَامَناَ، لِنَصْدُقَ ونَتَصَدَّقَ، لتَسْتَسْلِمَ وتَسْلَمَ أرواحنا، لنُسامح من أخطئوا في حقنا، لنتزَوَّد بزاد التَّقْوى، لتَرْتَقِي النفس وتَرتَاح فتَتَسَلَّل إليها بعضُ القناعة، وتدرك أنها قادرة على تجاوز النَّزَوَاتِ والصُّمود أمامها، وبالتالي نغير نظرتنا لقيمة الحياة الدنيا أمام الآخرة، فنبدأ من جديد، كَطِفل خرج للتو من رَحِمِ أمه.
 
يأتي رمضان ليُحيي في نفوسنا كل العادات الجميلة التي اندثرت، والتَّفاصيل الصَّغيرة التي لا نُلقي لها البال، كابتِسامةٍ في وجه جارك أنتَ مأجورٌ عليها، أو كلمة طيبة تقولها لأحدِهم بمٌرورك عليه قد تحسن مزاجه، وتشْحنه بطَاقة ايجابية تكفيه ليظَّل مُقْبلاً على الحياةِ وفرحا ليوم كامل، أو امرأة بسنِّ والدتك ساعدتها على حمل كيسٍ أثّقَلَ كتفها، فأَغرقتْك بسيلٍ من كلماتِ الشُّكرِ والدَّعوات، كلُّها أعمالٌ نحسبها هينة لكنها عندَ الله عظِيمة. 

سَعِيدٌ ذلك الذي استثمر هاته الفرصة على أحسن وجه، وتَفَنَّنَ في الطرق للتقرب من الله والعودة إليه، متيقنا من زوال تعب العبادة وبقاء الأجر. ها هو رمضان يستعد للرحيل، لِيَعُود السَّنة القادمة لا محالة، لكن من يدري إنْ كُنَّا سندركه ونعيشه بكل الطقوس من جديد، أم أنَّ هَذَا وَدَاعُه الأخير لنا؟  فلعلنا نقول له يا رمضان إلى اللِّقاء، ويجيبنا هو في صمت: الوَدَاع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.