الدولة الإله.. الوطن حين يتحول إلى صنم

blogs حب الوطن

الدولة الوطنية أو "الوطن" بمفهومه الجديد، تَحوَّل إلى "إله" معبود في ظل الأنظمة الاستبدادية، فمن أجله تُقطَّع الأرحام، وباسمه تُنصَبُ المشانق للأبرياء، وتوصَد السُبل في وجه العابرين، ويُهجَّرُ الناس من بلدانهم، ويمنعون من فعل الخير، ويحاربون في دينهم وعقائدهم، و تُسْلَبُ حرياتهم، وتشن عليهم حروب التشويه والتقبيح، لا لشيء سوى أن من بين هؤلاء من قد يخرج عن طاعة الحاكم، أو يعارض توجهاته.

 

في العالم العربي الذي يرزح تحت وطأة الاستبداد،  والحروب الداخلية، ويفتِك به ثالوث الطُّغاة و الغُلاة و الغُزاة، يستفرد المستبد بكل أدوات الدولة ومقدراتها، ويعلن نفسه حاكما باسم الله والشعب والتاريخ، ثم لا يرضى من المواطنين بأقل من الولاء المطلق، والتأييد التام، والهتاف الدائم باسمه، بعد أن يحيط نفسه بكل أركان الطغيان، من أمثال "هامان" من  الوزراء الفاسدين و أمثال "قارون" من الأغنياء الأغبياء، وأنواع "السحرة" من الإعلاميين الكاذبين ثم يستعين بهؤلاء على الشعب ليحوله إلى قطيع يقتل أبناءَه ويستحيي نساءه ويسرق ماله، ويبيع أرضه، ويورثها لأبنائه. 

 

في سبيل "الدولة الإله" تُنسى المبادئ طوعا أو كرها، ويَصْطَفُ الكاتب المثقف إلى جانب الأمي المغفل، والأحمق الأخرق، ويتقاسمان المصطلحات والمفاهيم واللغة والأدب، "فيتعلم الحوارُ نهيق الحمارْ!" ويهتفان معا باسم ملك الغابة، وفي محرابها يخشع عالم الدين إلى جانب الفنانة الساقطة والفنان الماجن، يتلون تراتيل الولاء للحاكم باسم بطنه، و البراء من كل معارض رافض و مؤيد غير مخلص!

 

إن "الدولة الإله" تُنعم على عبيدها العوام بالصفح، وعلى عبيدها من النخب بالمال والجاه، وتحرم المتمردين عليها من حقهم بالحياة، والحرية، والكرامة، والتنقل، وجواز السفر.. وما أدراك ما جواز السفر!" على حد تعبير الأستاذ فراس أبوهلالة. فالجنسية فيها صك غفران، ووسام شرف، وشهادة حسن سيرة وسلوك، ويمكن أن تحرم منها لأتفه الأسباب، أو لمجرد هوى في نفس جلاَّد مُتَحَكِّم، ولو كنت تستحقها أبا عن جد!

 

الوطنية ليست موالاة الحكام بشكل أعمى، ولا الاندفاع وراء توجهات الحكومات في كل وقت، إنما هي الحرص على ثروات الوطن من النهب والتبذير، ونصرة المستضعفين فيه

إن المواطن في ظل "الدولة الإله" مجرد عبد صغير من عِبادها المطيعين، عليه أن يوالي حلفاءها المَرْحَلِيِّين، ويعادي خصومها المُصْطَنَعِين، ويؤمن أن من قتلته فهو من الإرهابيين، ومن أحيته فهو من الشرفاء المواطنين، وإن لم يفعل فهو من الآثمين، ولا تقبل له شهادة أبدا ما لم يكن هواه تبعا لما جاءت به بيانات وزارة الداخلية والإعلام، فيما ترويه عن  الحاكم المفدى! 

 

في "الدولة الإله" وتحت مسمى "حب الوطن" يتم ترويج العفن السياسي والفشل الاقتصادي والفساد الاجتماعي المنعكس على العشوائيات و الزحام و التلوث و الباعة المتجولين.. ثم يتم إدماج وبث هذه المشاهد مع أغان جميلة في "حب الوطن" ، وبالتالي تتم برمجة المشاهدين على أن كل هذا الوسخ هو الوطن وأن حبه من حب الوطن وبالتالي يصبح نقد هذه المشاهد والحديث عنها نوعا من "التعريض" بالوطن، والهجوم عليه، فالوطن حلو وجميل مثل ما هو وسخ و فوضوي و عشوائي و يملؤه الزحام والفشل الإداري والتفاوت الطبقي.. وكل مظاهر التعاسة والسوء. 

 

لقد كانت مكة وطن محمد صلى الله عليه وسلم.. الذي ولد فيه وترعرع فيه، لكنه خرج منها مهاجرا ثم عاد إليها فاتحا بجيش قوامه 10 آلاف مقاتل ليس فيه من أهل مكة إلا القليل! إن ما قام به محمد صلى الله عليه وسلم "خيانة" بمنطق بعض "الموتورين" اليوم،  فهو فضَّل الهجرة على الوطن، والغرباء على الأهل، ثم جاء بجيش من "الأجانب" ليُذِلَّ سادة قريش، ويحطم كبرياءهم و غروهم، ويزيل الأصنام من حولهم، ويفرض سيادة دين غير الدين الذي عرفوه، لأن محمد كان يحركه الدين والوحي الذي جاء به، لا عبادة الأوثان والأوطان والممالك والمصالح المعلقة بمتاع الحياة الدنيا الزائل!

 

إن الوطنية ليست موالاة الحكام بشكل أعمى، ولا الاندفاع وراء توجهات الحكومات في كل وقت وحين، ولا الدفاع عن قرارات خرقاء ظالمة، غير مدروسة و لا مفيدة، إن الوطنية الحقة هي الغيرة على الوطن أن يحكمه مستبد أو سفيه، والحرص على ثرواته من النهب والتبذير، ونصرة المستضعفين فيه، والانحياز للحق، والسعي الدائم للحفاظ على سيادته من المتسلقين، وباعة الضمائر وعرَّابِي الغزاة والمحتلين.  

 

الانتماء للوطن اليوم لا تُحدده "عقيدة" فالوطن أحيانا يحوي عقائد متعددة ومذاهب متنوعة، الانتماء للوطن يُحدده الحقوق والواجبات، حقوق على الفرد، وواجبات على الدولة، ومتى أصبحت الدولة غولا يأكل أموال الناس بالباطل، ويصادر حرياتهم، ويضيق عليهم في حياتهم، ويقايض أمنهم بإنسانيتهم، فإن كثيرا من الناس سينشدون مع أحمد مطر رائعته هذه -وحُقَ لَهُم ذلك-:

 

نموت كي يحيا الوطن

يحيا لمن؟

لابن زنى، يهتكه .. ثم يقاضيه الثمن؟!

لمن؟ لإثنين وعشرين وباء مزمناً

لمن؟ لإثنين وعشرين لقيطاً

يتهمون الله بالكفر وإشعال الفتن

ويختمون بيته بالشمع

حتى يرعوي عن غيه

ويطلب الغفران من عند الوثن؟!

تف على هذا الوطن!

وألف تف مرة أخرى!

على هذا الوطن

من بعدنا يبقى التراب والعفن

نحن الوطن!

من بعدنا تبقى الدواب والدمن

نحن الوطن!

إن لم يكن بنا كريماً آمناً

ولم يكن محترماً

ولم يكن حُراً

فلا عشنا.. ولا عاش الوطن!