لبنانية ولكن

شاهدت المشهد المقتطع من مسلسل لبناني حول مصارحة تتم بين 3 أخوات، إحداهن مغرمة بشاب فلسطيني وتحاول جاهدة إخبار الأخريين بالامر. تبدأ الشابة بسرد فضائل حبيبها وحسناته من أنه متعلم وابن عائلة ويحترمها ويحبها ومنفتح و"مرتب" (طبعاً الترتيب من معايير "أيزو" اللبنانية). … ولكن! ولكن ماذا؟ تسأل الاختان وقد نفذ صبرهما، لتعود الاولى وتبدأ لائحة اوصاف حميدة لا تنتهي، تنطق بعدها بالكلمة التي تنزل عليهما نزول الصاعقة: "ولكنه… ولكنه… فلسطيني!". شهقة، فتلعثم، فشبه انهيار عصبي يصيب الاختين لتتجرأ إحداهما على طرح السؤال الجوهري: كيف سيتم اخبار الوالدة؟

 

كان لافتاً حجم التنديد الواسع بالمشهد لبنانياً وفلسطينياً، ومطالبة القائمين على المسلسل بمعالجة الموضوع إما بطريقة "أكثر عمقاً" أو "لياقة" أو"وعياً" وصولاً الى اتهام العمل والممثلة بـ "العنصرية"، التي بدورها باتت تهمة تشهر في غير موضعها مرات كثيرة، مقابل تغاض متعمد عن حالات عنصرية فجة في مرات أخرى، كثيرة أيضاً.

 

لا اعرف صراحة كيف ولماذا أسقطت فجأة هذه التوقعات التثقيفية والتوعوية على كاهل مسلسل مصنوع على نمط الـ soap opera فيما الابتذال بات القاعدة لا الاستثناء في الحياة العامة اللبنانية السياسية والاجتماعية والثقافية. علماً، والحق يقال، إن هذا المشهد تحديداً هو أكثر واقعية وصدقاً من أي سيناريو "عميق" ومدروس بعناية، بل أجرؤ أن أقول إنه أكثر لياقة وحذراً مما يحكى في الكثير من المجالس. فإما أن نكتفي بما تقدمه لنا الدراما من خيالات وتوهمات ولهجات لا تمت الى المحكية اللبنانية بصلة، وإما أن نطالبها بأن تعكس شيئاً من الواقع فنقبل أن نراه بعين مجردة. وقد ينصح في السياق بمشاهدة فيلم فرنسي عنوانه "ماذا فعلنا لربنا" (qu'est ce qu'on a fait au bon Dieu?) اخذ الامور أبعد بكثير من ذلك المشهد وذهب الى صلب المشكلة. فالعنوان بحد ذاته هو صرخة والدين فرنسيين تزوجت بناتهما الثلاث بشبان من أصول مهاجرة، ليدخل بيتهم الصهر الصيني ثم اليهودي فالمغربي المسلم. وفيما بقيت الآمال معلقة على الصغرى بأن تختار "فرنسياً كاثوليكياً" جاءتهم ذات يوم تزف الخبر السعيد: نعم، إنه فرنسي كاثوليكي، ولكن… ولكن ماذا؟ ولكنه افريقي!

 

الفيلم بأكمله يقوم على تحضيرات الزفاف وسوء التفاهمات التي تنشب بين الشخصيات الباحثة في مكان ما عن "هويات نقية"، تتعارض مع الخلفيات الثقافية والسياسية والدينية المختلفة والمتداخلة التي تزخر بها العائلة. ذلك كله في مواجهة "جيلية" مع ابناء وجدوا فيما بينهم قواسم مشتركة اقاموا على اساسها تلك الزيجات.

 

وإذ يشكل ارتباط الابناء الامتحان الحقيقي والاصعب لمزاعم الانفتاح والحرية و"الخيار الحر" التي يرفعها كثير من الآباء والأمهات، أعلم يقيناً إن والدتي تمر بدورها بلحظات تتساءل فيها أيضاً "عما فعلت لربها" لكي ترتبط ابنتاها برجلين من جنسيات وطوائف مختلفة. لا بل رصدتها مرة تبربس قائلة "كان ينقصنا هندوسي في هذه العائلة!". 

 

المهم، وبغض النظر عن تلك المآخذ والنقاشات التي احتدمت بفعل المسلسل، شخصياً اضحكني المشهد كثيراً. وكلما أعدت مشاهدته ضحكت من جديد، ليس لفكاهة استثنائية فيه، بل لعفوية تعيدني الى عشرات الحالات المشابهة من حولي، أنا نفسي أول ضحاياها!

 

البداية كانت مع اسمي، الفلسطيني، والذي كلما نطقته في لحظة تعارف أولى حتى يطلب مني ارفاقه بشرح مطول. كان السيناريو نفسه يتكرر لدرجة أنني في عمر معين بت أردده في رأسي وأبتسم تلك الابتسامة الماكرة التي تستبق سيل الاسئلة. عفوا؟ ابتسام؟ لا، لا بيسان. بيساااااااان. وأمط الالف لمزيد من الايضاح. فترتسم تلك السمة المستفهمة على وجه مخاطبي. هذا اسم اجنبي؟ لا، عربي. انه اسم منطقة او سهل في فلسطين. يتنفس بعدها الشخص (او الشخصة) الصعداء ويستنتج "آه انت اذا فلسطينية! قولي هيك من الاول!". من الاول؟ وهل يعقل أن يعلن الانسان عن جنسيته قبل اسمه في لحظات التعارف؟

 

لكنني أجيب: ولكنني لبنانية، لست فلسطينية. لأنتقل سريعاً الى المرحلة الاعلى من الامتحان حيث تبدأ الـ "لماذا" والـ "كيف" وتنتهي بهمهمة، أو استئناف مرتبك للقاء. وكان لبعض المتحذلقين أن يقفز الى الاستنتاج السريع بأن والدي لا شك ينتمي الى الحزب القومي، فأعود وأنفي وأحاول التملص قدر المستطاع من متاهة أسئلة جديدة.

 

لاحقاً، بعيد التخرج من الجامعة، وعندما قابلت مبادرة صديقي بالصد بحجة ان نظرتنا للأمور مختلفة على رغم القواسم المشتركة الظاهرية بيننا، دعا علي بما ظن انه أسوء ما قد يصيبني :"روحي!" قال حانقاً، "انشالله بتحبي فلسطيني يسكنك بالمخيم!".

 

بعد سنوات من ذلك الدعاء العقابي الذي أنزله بي صديقي، حققت شيئاً من نبوأته وأحببت وتزوجت… سورياً لنبدأ معاً دورة جديدة من الاسئلة المبطنة والنصائح المواربة. هكذا، بت أسمعه يقول أحياناً "نعم، نعم، لبنانية، ولكن!

حزنت كثيراً بطبيعة الحال، واستغرقني بعض الوقت لأتعافى. وقت مررت خلاله أو شهدت اصدقاء من حولي يمرون باختبارات كثيرة مشابهة لاختلاف في الدين او الطائفة او بلد المنشأ. وأذكر أنني مثلاً عندما أقمت لفترة وجيزة في واشنطن، استأجرت الطابق السفلي من منزل سيدة سريلانكية تعمل في البنك الدولي. كنا نجلس أحياناً في المساءات على الشرفة ونتحادث حتى أسرت لي يوماً بتلقيها عرضاً مهنياً لا يقاوم: إدارة مشاريع البنك الدولي في الشرق الاوسط، ولكن… ولكن ماذا؟ سألت. ولكن بشرط الاقامة في بيروت! قالت لي بالحرف "رفضت طبعاً. فأنا اعلم جيداً كيف يعامل أبناء بلدي لديكم، ولست مستعدة ان اخوض معارك يومية للدفاع عن نفسي وعنهم".

 

حاولت أن أقول لها "ولكن…"، ثم تراجعت فوراً عندما حضرني كم السخرية الذي انهال علينا، أنا وهي، لدى معرفة البعض في لبنان أنني اسكن لدى "سريلانكية". بحسن نية أو سوءها كانت تردني تعليقات أقل ما يقال فيها إنها عنصرية، أو ردود متحذلقة من قبيل "ولكن… لتصل الى البنك الدولي لا بد أنها من طبقة راقية في بلادها".

 

هكذا تعوض "الطبقة الراقية" أو بالاحرى الحساب المصرفي أو "الباسبور الاجنبي" (اوروبي، كندي أو أميركي حصراً) عن عطب يفترضه لبنانيون كثيرون مقيماً في سواهم من شعوب الارض، حتى إذا ما جاء مشهد تلفزيوني بسيط يكرر على الشاشة ما يقولونه في مجالسهم، انتفضوا لكرامة نرجسية فيهم. هذا ولم يصل بعد الى مرحلة "مسلم بس كوول" أو "مسيحي بس وطني".

 

شخصياً، وبعد سنوات من ذلك الدعاء العقابي الذي أنزله بي صديقي، حققت شيئاً من نبوأته وأحببت وتزوجت… سورياً لنبدأ معاً دورة جديدة من الاسئلة المبطنة والنصائح المواربة. هكذا، بت أسمعه يقول أحياناً "نعم، نعم، لبنانية، ولكن…".

 

 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن أكثر من خمسة ملايين طفل عراقي بحاجة ماسة للمساعدة، ووصفت الحرب مع تنظيم الدولة الإسلامية بأنها "إحدى أشد الحروب وحشية" في التاريخ الحديث.

أفاد استطلاع رأي جديد بأن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يحتل المرتبة الأولى بين الزعماء العرب الذين يحظون بثقة اليهود الإسرائيليين، يليه ملك الأردن عبد الله الثاني.

الأكثر قراءة