شعار قسم مدونات

خذني إلى المسجد الأقصى وساحاته

blogs - القدس
حينما يأتي رمضان ترى البركة وكأنها قد نزلت أدراجها على النفس، فتعلو الهمة وتشتد العزيمة وتبدأ الروح تبحث عن مكان لتسمو فيه وتشرق.. فأين لها أن تجد أعظم وأجل من المسجد الأقصى وساحته؟ لن تجد.. وقد شارفت العشر الأواخر على الانتهاء، هذا عام جديد وغياب عن المسجد الأقصى الحبيب، فلا صلواتٌ في ساحاته ومصلياته.. ولن أقرأ القرآن تحت شجرة من شجراته الكثيرة، أو أقيل ساعة تحت سروة من سرواته العالية الطويلة.

وسأفتقد تلك المتعة التي لا يقدرها إلا من جربها في سبيل الوصول إلى المسجد الأقصى من أول الخروج إلى البيت وصعوبة إقناع الأهل للسماح لنا بالذهاب إلى هناك، مروراً بالحواجز العسكرية الثلاثة التي تتربع لنا في الطريق وتعترضنا قبل بدأ المغامرة الحقيقية.. حتى نصل إلى منطقة قلنديا التي يفصلها جدار الفصل العنصري عن قدسنا المحتلة.. ونجد هناك أبو العبد – الرجل الذي سيحملنا في باصه الذي يقدر على حمل ثلاثين واحدٍ منا وليس سبعة فقط. ويأخذ منا مبلغاً عظيما مقابل مسافة قصيرة جداً توصلنا إلى نقطة التهريب التي منها نصل للمسجد الأقصى المبارك.

من أين سندخل؟ من باب الناظر أم السلسلة أم القطانين.. أي الابواب حراستها أقل تشديدا؟ هنا يبدأ مسلسل الرعب بعد كل هذا المعاناة يمسكوا بنا ويوقفونا على البوابات.

فتبدأ حلقات الجري في الأراضي الوعرة، فتسرع وترجع لتبطيء مرة أخرى كي لا يتأخر عنك صديقك الذي يتعبه ثقل وزنه وقلة لياقته، لنصل بعدها إلى الجدار الذي يرتفع أكثر من اثني عشر متراً لتسلقه على سلم تم تجميعه من بقايا خشب وأنت لا تعلم ماذا ينتظرك في الأعلى أو ما قد يفاجؤك أثناء صعودك.. أهي رصاصة جندي قاتلة، أو عصا حديدة، أم قنبلة غاز تلقى في وجهك؟!

وبرغم ذلك تتمهل قليلاً مرة أخرى وأنت تحاول الحفاظ على حياتك من أجل صديقك ثقيل الوزن الذي يصعب عليه الصعود والنزول أيضاً عن الجدار ذو الارتفاع الذي ليس بالهين وهو أيضاً لا يقل خبثاً عن العدو المتربص، فالسقوط من ذلك الارتفاع يعقبه كسور كثيرة وبأحسن الأحوال رضوض تعم الجسم.  وبعد كل هذه المخاطرة والتعب وإذا صرت داخل السور فلا تأخذك العزة ولا تفرح كثيراً فالشرطة المتغلغلين في شوارع المدينة والمعسكرين على أبواب الأقصى يقفون هناك لك بالمرصاد.

دخلنا الى البلدة القديمة من باب العامود وصدقاً كما قال تميم فمن أول خطوة تخطوها إلى الداخل "ترى كل ما لا تستطيع احتماله" كل تلك الأمور البسيطة والغريبة والكثيرة جدا جدا على البسطات وأمام المحلات التجارية.. وهناك ترى الناس بكل الأشكال والألوان، ترى المقدسين واليهود.. العرب والأجانب.. السكان والسياح.. البيض والسود.

ترى شيوخ المسلمين بملابسهم البيضاء ولحاهم الطويلة.. ومتديني اليهود بسوالفهم الملتوية وقبعاتهم السود.. وقساوسة الكنائس وكبارها، – الجمع بينهم هنا لوصف مشهد واقعي فقط- وبين هؤلاء جميعاً تتجول عناصر شرطة الاحتلال ببنادقهم يحملونها على أكتافهم. ومن على جنبهم عبوات غاز الفلفل الحار..أكملنا السير حتى دخلنا الى الخان حيث الأزمة التي لا تنتهي ونضيع هناك ونتعمد ألا نسأل أحد عن الطريق حتى نعيش متعة هذا الضياع.. إلى أن نصل إلى بوابات المسجد.. 

إذا صرت داخل السور فلا تأخذك العزة ولا تفرح كثيراً، فالشرطة المتغلغلين في شوارع المدينة والمعسكرين على أبواب الأقصى يقفون هناك لك بالمرصاد.

من أين سندخل؟ من باب الناظر أم السلسلة أم القطانين.. أي الابواب حراستها أقل تشديدا؟ هنا يبدأ مسلسل الرعب بعد كل هذا المعاناة يمسكوا بنا ويوقفونا على البوابات.. الحمد لله.. دخلنا من باب السلسلة، في فترة عدم انتباه للضباط وبمساعدة المقدسيين هناك تمكنا من الدخول.. وسجدنا سجدة الشكر وصلينا ما كان علينا من صلاة… وبدأنا مباشرة بجولة في المسجد الأقصى.. في الساحة، على المساطب، دخلنا كل المصليات، وإلى المتحف، أخذنا الصور فوق القباب وتحت القباب، ومشينا على السور حتى جاء وقت الإفطار..

يمضي الوقت بين المغرب والعشاء سريعاً وتأتي أخيراً صلاة العشاء والتراويح حيث يبدع المقرئون في التنويع بين القراءات والمقامات. وبعد الانتهاء من صلاة التراويح نبدأ الجولة الأخيرة.. جولة الوداع للشجر والحجر وبوابات ومصليات المسجد الأقصى لنغادره صباح اليوم التالي عودة للبيت بكل سهولة وبلا مشقة ولا عناء إلا مشقة وعناء البعد والفراق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.