وحدهنَّ القويَّات

لم أكم أعلم أنني في اللحظة التي سأغيُّر فيها مجال دراستي من الهندسة المعمارية إلى الميكانيكيّة ستكون اللحظة التي تتغير فيها حياتي ونظرتي لمستقبلي وللناس حولي. كنت بحماس طفل يذهب أول يوم للمدرسة وكله أمل بأنها ستكون تجربة جميلة حتما، لكن على العكس! كانت مغامرة منذ اليوم الأول. دخلت لحضور أول محاضرة لي كطالبة هندسة ميكانيكية، كلها ذكور وربما فتاتين فقط.. كان متوقع، لم تكن صدمة مبدئيا.

توالت المغامرات بعدها، عليكِ أن تتعاملي مع ذكور ينظرون لك كفتاة مسترجلة أو لستِ فتاة أصلا وأنك تحتاجين للكثير من الأنوثة لكي تجاري أقرانك من فتيات في التخصصات الأخرى! قد يأتي أحدهم ليجلس مكانك، أو يدفعك عن غير قصد منه ولا ينتبه لك أصلا، وكأنه يحملك ذنب اختياركِ، اخترت أن تنافسي الرجال فلك معاملة كرجل!  

كان صعبا علي أن أثبت نفسي وكفاءتي كمهندسة ميكانيك بين كيانٍ كامل يعتقد أنك الأضعف ليس فقط جسديا، وإنما فكريا -في المجال- أيضا. لكنني خضت غمار ذلك ونافستهم وكنت جديرة بذلك، فالمرأة قوية ومنافسة شرسة بأي شيء إذا ما اختارت هي ذلك! ولا مجال لتحديها أو الانتقاص من قدراتها فهي تجمع بدل الرجل عشرة في آن واحد!  

اعلمي جيدا أنك متى ما اخترت أن تكون أقوى فقد اخترت مواجهة وحربا مفتوحة لا انتهاء لها! فالرجال لا يحبون أن تنافسهم امرأة، وسيحاولون إقصاءك من المعركة قبل أن تبدأ حتى، وستنهال عليك كلمات الرفض والتقييم والإحباط

ثم بدأت مغامرة من نوع آخر، مغامرة العمل؛ لأكتشف أنه ليس فقط أقراني من الذكور الذين اعتبرتهم تفَّه ربما من يعتقدون أنك ناقصة. لكن حتى المهندس ذو خبرة العشر سنوات على يقين بذلك والفنيين أكثر! قد تقابلي أحدهم ممن يتحدث إليك دون أن ينظر لوجهك حتى أو يطنش وجودك ليناقش الذكور، ويستتفه رغبتك في التعلم حتى! مبررا ذلك بأنه لا يراه المكان المناسب لك من الأساس! مهندس منهم، جلس أمامي يتحدث عن مهندسات الميكانيك المسترجلات وكأنني رجل أمامه دون أن يعير انتباها لي حتى، رغم أنني بالتقييم الأنثوي اعتبر فتاة جميلة! ولا ملامح للرجولة في شكلي أو جسدي أو لبسي أو حتى تصرفاتي! هادئة رزينة! لكنني نلت ما نلته من التذكير لمجرد أنني "مهندسة ميكانيك" .

وغير هذا الذي يقيّم أنوثتك ويعطيها رقما متدنيا في مقياس الإناث، ستقابلين ذلك الذي يقيّم مستقبلك ويفرض علي مستقبلا لا تريدينه لنفسك حتى!  "مهندسة ميكانيك؟ بنت؟ شو بدك تشتغلي؟ صيانة؟ بنفعش" وأحدهم يكون كريما معك فيعطيكِ حلا بأن تعملي في المملكة العربية السعودية فهناك مصانع مخصصة للإناث فقط. سوف تُسألي عن سبب دراستك الميكانيك غير المجدية بنظرهم ولكن لن تسألي عن حلمك، عن طموحك، وعن المستقبل الذي رسمتيه لنفسك، وعن خطتك في المجال الذي اخترتيه بنفسك وبكامل ثقتك! ستقيَّمي وستفرض عليك إجابات كانت أسئلتها موجهة لك ولم يعطوك فرصة الإجابة عليها حتى!  

أذكر جيدا ذلك اليوم الذي كنت أجلس فيه على رصيف مرتفع، بكامل احترامي ولم تكن جلستي تنتقص من احترامي أو أنوثتي شيئا! وقرر مهندس ما أن جلستي لا تصلح ل"بنت" وأن تقفي في الشمس أو تجلسي بين الفنيين فهو أفضل لك من تلك الجلسة. لأعود للمنزل بقمة ضعفي وقلة حيلتي، بكيت يومها، ليس لما تعرضت له ولكن لأنني ما دافعت عن نفسي وعن احترامي. 

كوني على قوة لا تسمح لك بأن تضعفي حتى! لا تناقشيهم ودعيهم لأفكارهم.. وأثبتي قوتك بأفعالك لا بالرد عليهم، ولا تجيبي حتى عن أسئلتهم التي يجيبون عليها قبل أن تقرري نفث نفسك لتجيبيها أنت!

قد تندمين وتعودي أدراجك يوما وتضعفين، سيصل بك الحال أن تدعي كل لفرضيته دون أن تناقشيه أو تجيبيه حتى لأن كتلة القبح في دماغه ستضل كما هي مهما ناقشته، لأنه سيراك مذنبة تحاول تبرير فعلتها على كل حال. وسيرى خيارك خاطئا مهما علم كم قوتك وكفاءتك! أو قد تقرري أنك أقوى من كل فرضياتهم وأحكامهم ونقاشاتهم، أقوى من كل المبررات التي برروها ل"ذنبك" بأنك إما ستكوني أمًّا ولن تعملي أو أنك ستعملين بمجال لا يمت لتخصصك بصلة.. معلمةً ربما.

واعلمي جيدا أنك متى ما اخترت أن تكون أقوى فقد اخترت مواجهة وحربا مفتوحة لا انتهاء لها! فالرجال لا يحبون أن تنافسهم امرأة، وسيحاولون إقصاءك من المعركة قبل أن تبدأ حتى، وستنهال عليك كلمات الرفض والتقييم والإحباط. وستضعفين فعلا إذا ما كنت فريسة سهلة! وستقرري أن تقفي مكانك ولا تدافعي عن خياراتك ولا تغامري في سبيل قرارات أنت اخترتيها بنفسك! فدفاعك عنها هو دفاعك عن رأيك وحريتك بأخذ قرارك وحرية اختياراتك قبل أي شيء قد تظنين أنه يحتاج دفاع!  

حاربي بقوة وشراسة، الأنثى تمتلك من القوة ما يملكه ألف رجل، فمن يربي الرجال غير أم سهرت طويلا ليكبر ويكون مهندسا! طبيبا أو معلما، لا تربيه لتنتظر اليوم الذي ينتقص فيه منها. كوني على قوة لا تسمح لك بأن تضعفي حتى! لا تناقشيهم ودعيهم لأفكارهم.. وأثبتي قوتك بأفعالك لا بالرد عليهم، ولا تجيبي حتى عن أسئلتهم التي يجيبون عليها قبل أن تقرري نفث نفسك لتجيبيها أنت!  

ما دمت بكل الأحوال رجلا بنظرهم فارتديه؛ أقلها رجل متعلم خير من رجل لا يفقه شيئا. ولا تموتي قبل أن تكوني ندا! فوحدهن القويات من يصلون

ارتدي بسطارا متى ما احتاج الأمر! وانزلي تحت رافعة وتعلمي ذاك العلم السحري الذي يظنونه حكرا على الرجال! نعم نزلت تحت رافعة وعرفت أجزاءها قطعة قطعة ولم ينزل أحد غيري وأنا من قررت ذلك! بعمق إيماني أن علما اخترت خوضه لن ينتقص من أنوثتي شيئا، وبسطارا يحمي قدمي ليس حكرا على الرجال يوما، وأنهم سيرونك مسترجلة حتى وإن لم ترتديه، مذ اللحظة التي عرفوا بها أنك مهندسة ميكانيك!

 

إذن! ماذا سيتغير؟ لا شيء فقط ستضعفين ولن تتعلمي أي شيء عن أي شيء، وستجلسين وتنتظرين حكما عليك ويدك على خدك. وما دمت بكل الأحوال رجلا بنظرهم فارتديه؛ أقلها رجل متعلم خير من رجل لا يفقه شيئا. ولا تموتي قبل أن تكوني ندا!  فوحدهن القويات من يصلون.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

رحبت قطر بتصريحات وزارة الخارجية الأميركية بشأن عدم تقديم دول الحصار تفاصيل شكاوى محددة ضد قطر، وجدد مدير المكتب الإعلامي بوزارة الخارجية موقف قطر الداعم لحل الأزمة عبر حوار حضاري.

الأكثر قراءة