معضلات تكـوين الدولة الحديثة

إن من أصعب المعضلات التي تواجه رجل السياسة كيفية بناء المجتمع، وتغير سلوكياته، من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث. "بغض النظر عن مفهوم الحداثة الذي يريده"، لأن عندما نتطرق لكلمات مثل (حديث – ديمقراطي) يتبادر للذهن صورة المجتمع الغربي، فالحداثة هُنا ليس عملية تطابق، بل تمايز حتى لو في أدنى صُورها، وهي التوافق على أُسس عيش مشترك بين مجتمع واحد. هذه المعضلة وقفت عائقا أمام كل السياسيين، والتيارات الحزبية في بناء مثل هذا المجتمع، وبدلاً من الاستمرار والمحاولة ذهبت هذه الأحزاب إلى بناء الدولة، وأصبحت الدول كبناء -كرتون- أخذت الشكل الحديث من الخارج، أما من الداخل فهي ما زالت دولة بدائية، يعيش فيها المجتمع بعيدا كل البعد عن صورتها، حيث سلطة القبيلة تمثل السلطة الأعلى، وقوانين مشايخها العرفية التي وجدها هي أقوى من قوانين الدولة، سلطة نفوذها أقوى من سلطة الدولة.
إذاً كيف يمكن لنا أن نبني دولة حديثة دون أن نبني مجتمعا حديثا؟
إن المجتمع الحديث هو الذي يبني دولة حديثة، وليست الدولة الحديثة هي من تبني مجتمعا حديثا. إن معضلات التحديث التي واجهها السياسي جعلته يهرب من مسؤوليته الاجتماعية تجاه مجتمعه إلى مربع أكثر ضيقاً وذاتيةً، وهو مربع السلطة والبحث عن السيطرة من أعلى لا من أسفل، وهذا ما أفقد الأحزاب مشروعها، ومشروعيتها في ذات الوقت، لأنها لا تملك مشروعا، ولم تستطع التأثير على مجتمعها لتغيره.

أين المشكلة في السياسي أم المجتمع؟
في هذه الحالة المشكلة مشتركة بين السياسي والمجتمع، وبما أن السياسي هو قدوة المجتمع، والمعبر عنه لأنه هو من لديه القوة المعرفية، والإدارية التي تؤهله بالضرورة، وتضعه في مقدمة الصفوف؛ إذن المسؤولية تقع على عاتق السياسي لأنه مطلوب منه إحداث تغيير في مجتمعه. فإذا أخذنا المشكلة من جانب المجتمع نجدها هي المُعضلة الأبرز، لأن المجتمع تمترس حول كينونته البدائية القبيلة وإعاق عملية التحديث التي يقوم بها السياسي.

المطلوب هو عودة التيارات للغوص في المجتمع وتبدأ بعملية التحديث من الداخل بالتثقيف القانوني، والإعلاء من قيمة المحاكم النظامية التي تتبع لكيان الدولة، هذا الجانب سيساعد في تغيير الثقافة السائدة لدى المجتمع.

من أهم أوجه إعاقة المجتمع للتحديث هي تعطيله للقانون، إن القوانين توضع من جانب الدولة لتنظيم حياة المجتمع، وإزالة الفوارق بين الناس، وتطوير المجتمع عبر هذه القوانين من كل نواحيه؛ الاجتماعية في تنظيم الأسرة ووضع قواعد الزواج، والطلاق والرعاية، والتعليم، والصحة، واحتكار سلطة فض النزاعات.

ومن الناحية السياسية في تنظيم إدارة الدولة، وتكوين الأحزاب والتنافس في إدارة هذه الدولة عبر تحديد السُلطات التنفيذية، والتشريعية، فإن إعاقة هذه القوانين وعدم الاحتكام إليها يُخِل بمنظومة المجتمع في كل أُطرها السياسية، والاجتماعية، فيعود المجتمع إلى قوانينه الأولية القبلية، ومن أُولى صور اختلال العدالة، أو التأثير عليها هو ما يُسمى بحل القضايا أهلياً، أو عرفياً، هذا الجانب من المحاكم الأهلية يسلب حق السلطة القضائية في تنفيذ قوانينها، لأن مثل هذه الاحتكامات الأهلية لا تقتصر على مسائل إجرائية، بل تتطرق لقضايا جنائية، ومدنية، وهذا ما يجعل جزءا كبيرا من المجتمع يرى لا أهمية في الذهاب إلى المحاكم. إن اللجوء لمثل هذه القواعد التقليدية لا يحقق العدالة لسببين: الأول سيطرة الجانب العاطفي. والثاني السلطة الأبوية النافذة فيه، لأن من يقبل بنتيجة الحُكم ليس الطرف المتضرر.

بالطبع أن مثل هذه العوارض لا تتيح إنتاج مجتمع حديث، وبالتالي دولة حديثة، والمطلوب هو عودة التيارات للغوص في المجتمع وتبدأ بعملية التحديث من الداخل بالتثقيف القانوني، والإعلاء من قيمة المحاكم النظامية التي تتبع لكيان الدولة، هذا الجانب سيساعد في تغيير الثقافة السائدة لدى المجتمع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

دعت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية إلى وقف فوري لعمليات الإعدام الوشيكة، وطالبت في بيان لها بإحالة قضايا المحكوم عليهم إلى كبار القضاة في محكمة الاستئناف العليا بمصر.

الأكثر قراءة