الطفولة والحياة الصعبة

في حياتنا كثير من المباهج الموسمية والأفراح الاجتماعية، يُحْرَم منها الأطفال في الصِّغَر فيتوقون إليها في الكِبر بصُوَر مُشَوَّهة تُسِيء إلى تاريخهم، ليُلَبُّوا نداءَ الفطرة الذي انْكتَم، وليَسُدُّوا ثَغراتِ حرمانهم وفجواتِ جُروحهِم المَفْتوحَة، وليُخْرِسوا سُعارَ آلامهم ولُهاثَ مَطامحهِم، وأحلامهم التي مَزَّقها الانكسار.

ويظلُّ هاجِس الرَّغبة يَقضُّ مضاجِعَهم، ويشتدُّ احتياجهم إلى ممارسة حقوقهم، والخلاص من سلطة الأُسَر المستبدَّة، التي راهَنَت على التَّحكم بمصيرها، وتَسْويد صحيفَتِها ومَسْخ هويَّتها، وإِلْزامِها بتقاليد وأعراف لا أصل لها من دين ولا حُكْمَ لها في الشَّريعة، إلا حُكْمَ الجاهليَّة والغَلبة، وحُكْم شريعة الاستبداد، التي تَحْجُر على حُرِّية الفِكر والتَّعبير، تَعصُّبًا لقَواعدِها المَأْلوفَة، وخُضوعًا لثقافة يتوارثون أفكارَها وإن كانت خالِيَة من كلِّ خِطاب عِلمي يُفْحِم العقل ويستجيب لنداء العاطفة، فيكون مصير هؤلاء الأطفال السُّقوط في قُمْقُم التَّفاهَة، والذَّوَبان في شخصيات تمنحهم فُرَص العيش المُريح، وتسمح لهم بالتمَتُّع بحُرِّياتهم المُغْتصَبة ..

وقد شَدَّ انْتِباهي وأنا أقرأ مذكرات لشخصيات مختلفة، اعترافاتهم الجريئة التي تكشف عن أسرار وفصول من حياتهم، كتلك التي كشفت عنها الشاعرة والأديبة فدوى طوقان من خلال سيرتها الذاتية، التي اختارت لها عنوانا يحتوي فصولها وهو: " رحلة جبلية .. رحلة صعبة "، وهي عبارة عن رحلة مشقَّة وكفاح طويل من أجل إثبات الذات، ورحلة تحدي وصمود أمام العوائق والمضايق في دروب حياتها الصعبة.

الظُّروفَ الحَياتِيَّة القاسِيَة التي يَتجرَّع مَرارتَها الأطفال، تجعل فصولهم مُحاطَة بسياجٍ منيع ومغاليق لا مفاتيح لها، تَصُدُّهم عن التَّعبير وتجهض بداخلهم الطموح قبل أن يولَد، وتُحَدِّد مَلامِح شَخْصِيَّاتهِم.

ومن بين تلك الاعترافات الكاشِفة لغَوامِض الذَّات وأسرارها، ما قدَّمته كتمهيد لسيرتها فقالت: "ظللت، طيلة عمري الأدبي أحِسُّ بانكماشٍ ونفورٍ من الإجابة على الأسئلة التي تُوَجَّه إليَّ عن حياتي، والعوامل التي وجَّهت هذه الحياة وأثَّرت فيها.. وكنت أعرف السَّبَب، سببَ ذلك الانْكِماش والنُّفور من الإجابة على الأسئلة، ذلك أنني لم أَكُن يوما براضِيَة عن حياتي أو سعيدةَ بها، فشجرة حياتي لم تثمر إلا القليل، وظلَّت روحي تتوقُ إلى إنجازاتٍ أفضل وآفاقٍ أرْحَب".

فسألت نفسي: لماذا يعتري الإنسان هذا الشُّعور بالانْكِماش والاغْتِراب، والصُّدود عن الإجابة على أسئلة من شأنها أن تكشِف عن زَوايا غامِضَة في حياته؟ فأدركت من خلال قراءتي لتلك المذكرات، أنَّ الشُّعور بعدم الرِّضا والسَّعادة كفيلٌ بأن يغيِّر مجرى حياة بعض الأشخاص ويحرمهم من ممارسة حُرِّياتهم المُسْتَلبة، والتَّكتم على أسرار حياتهم الخاصَّة، ليظل سجلُّ تاريخهم مُغْلقًا وغامضًا، فالشُّعور بالاضْطِهاد من طرَف سلطة الأُسَر وقِوَى الشَّر المُتَعدِّدة المَشارِب والاتِّجاهات، يَصْهَر الأرواح داخِل قالب فولاذي، ويُحَطِّم الأحلام الفَتِيَّة قبل أن تنمو وتكبر، ويُكَمِّم الأفواهَ الجائعَة، ويَكْبِت الرَّغبات قبل أن تنضج، ويشلُّ حركات التمرُّد على الأوامر والقوانين، ويُخْرِس الأصوات الثَّائِرَة على الحَيْف وعلى جبروت الأحكام الوضعية ..

لهذا تظلُّ حياة الأشخاص تحمل أسرارا يُسْدِل عليها أصحابها سِتارًا كثيفًا من الغَرابة والغُموض، يُخْفي خلف ظلاله انْتِهاكات لأحلام الطفولة وأمانيها، وتعبِّر الشاعرة والأديبة فدوى طوقان عن هذا الشعور فتقول: "لم أفتح خزانة حياتي كلها، فليس من الضَّروري أن نَنْبش كل الخصوصِيَّات، فهناك أشياء عزيزة ونفيسَة، نُؤْثِر أن نُبْقِيَها كامِنَةً في زاوية من أرواحنا بعيدة عن العيون المتطفِّلة، فلابدَّ من إِبْقاءِ الغلالة مُسْدَلَة على بعض جوانِب هذه الرُّوح صَوْنًا لها من الابْتِذال".

إن تلك الغَرابة والغُموض والعُزْلَة المُؤقَّتَة تُشْعِرُنا بعُمْق ذواتِنا، لذا نحتاج إلى الانْفِراد بخُصوصِيَّة أسرار حياتنا وتفاصيلها بعيدًا عن ثرثرة المتطفِّلين، لنَصونها من الذَّوَبان في قالب الآخر والتَّشَكل بطبيعته وعناصر محتواه، ولننتقِل إلى السِّياحَة داخل فصولنا التي تُثير فينا الانْجِذاب إلى سِحْر التأمُّل في سلسلة الأحداث وربطها ببعضها، وتفسير كلِّ موقف ذا شأنٍ وأثَر، وتحليل كلِّ تجربة سالِفَة ووَصْلها بالتي تَليها، ضمن حلقات التَّجارب الحزينة والسَّعيدة .

كذلك الظُّروفَ الحَياتِيَّة القاسِيَة التي يَتجرَّع مَرارتَها الأطفال، تجعل فصولهم مُحاطَة بسياجٍ منيع ومغاليق لا مفاتيح لها، تَصُدُّهم عن التَّعبير وتجهض بداخلهم الطموح قبل أن يولَد، وتُحَدِّد مَلامِح شَخْصِيَّاتهِم، فالمَشاعِرُ المُؤْلمَة تُمزِّق خارطة الطُّفولة وتَفْصِل أَجْزاءَها، لتظل أوجاعها غائِرَة في عُمْقِ ذَواتِها، تُقاسي عَذاباتِها ومَذاقَها الحاد مَهْما بَلغَ بها العُمْر.

فقد يَكونُ أَقْصى طُموح بعض الأطفال أنْ يَحْصُلوا على الدُّمى والأَلْعاب في الأعياد والمناسبات الخاصة، وفي زمَنٍ قَلَّ فيه الاهْتِمام بتَساليهم وإِشْباع حاجاتهِم النَّفْسِيَّة، التي تَتوقُ إلى توثيق علاقتهم بالدُّمى التي تَتحوَّل في خيالهم الرَّحيب إلى كائِناتٍ حَيَّة تُشْبِههم، وتحاكي أدوار أَبْطال المَسْرحِيَّات في عالمهم الفسيح، وتتخَيَّل أنَّها تُحَدِّثها وتُناجيها، وتُفَلِّد أَصْواتَ من تُحِبَّ وتكره بنَبرات مختلفة، وتُدَلِّلها وتُمَشِّطُها، وتَحْلُم أنَّها تَحْيا معَها في عَوالم تُشْبِع عاطِفَتِها المُتَأجِّجَة، وتملأ فَراغاتٍ لم تَحْتَويها الأُسَر برِعايتها، وتُسَكِّن مَواقِد صُراخِها وشَكْواها الحارِقَة.

كنتُ أَتلهَّف للحُصول على شَيْءٍ غير الطَّعام، حَلقٍ ذَهبي، أو سِوارٍ، أو فُسْتانٍ جَميل، أو دُمْيَة من دُمى المَصانع، كنتُ أَتلهَّفُ للحُصولِ على حُبٍّ أبَوي واهْتِمامٍ خاص وتَحْقيق رغَباتٍ لم يُحَقِّقاها لي في يومٍ ما.

وقد تحَدَّثَت الشَّاعرة والأديبة فدوى طوقان عن هذه الاحْتِياجات النَّفْسِيَّة التي عانَتْ منها في طُفولَتِها، فقالت: "لم تَكُنْ الظُّروف الحَياتِيَّة التي عاشَتْها طُفولَتي مع الأُسْرَة لتُلَبِّي حاجاتي النَّفْسِيَّة، كما أنَّ حاجاتي المادِّية لم تَعْرِف في تلك المَرْحَلة الرِّضا والارْتِياح، وإذا كانت الطُّفولة هي المَرْحَلة الحاسِمَة التي تَرْسُم الشَّخْصِيَّة وتُقَرِّرُها لما لها من أَهَمِّية في حياة الفَرْد، فإنَّ طفولتي ـ لسوء الحظ أو لحسن الحظ ـ لم تَكُنْ بالطُّفولَة السَّعيدَة المُدَلَّلة، لقد ظَلَلْت أَتلهَّفُ للحُصول على دُمْيَة تُغْمِض عَيْنَيْها وتَفْتحُها، وكنت أَسْتعيضُ عن دُمْيَة خَرجت من مَصْنع بدُمْيَة تَصْنعُها لي خالتي أم عبد الله أو ابنة الجارة علياء من مزق القُماش وقصاصاته المُلَوَّنة، ولم أَكُن أُحِبُّ مَلابسي لا قُماشًا ولا تَفْصيلاً، فقد كانت أمي تَخيطُها بنَفْسِها ولم تَكُنْ تُتْقِن هذه الصَّنْعَة".

وقد تكونُ هذه الاحْتِياجات عِبارة عن رَغْبة مُلِحَّة تَجْتاحُ الأطفال، وهي أَعْظَم من حُصولهم على الإِشْباع المادِّي، لأنَّها تمنحهم الشُّعور بالاحْتِواء الكامِل الأركان، وهذا ما أَفْصحَت عنه الشاعرة والأديبة فدوى طوقان التي كانت تتلهَّف لإشباع تلك الرَّغبات في طفولتها فقالت: "قد كنت دائمًا عاجِزَة عن الدِّفاع عن نَفْسي، فما يَفْتَرِضُه الآخَرون هو الصَّحيح ولو كان خَطأً، أو ما يَجِب أنْ أُسَلِّم به.. وكان الطَّعام على مُخْتَلف أَصْنافِه هو آخر ما كنتُ أفكِّر به، وذلك لوَفْرنِه في البيت الذي كان يَعُجُّ دائِمًا بالوَلائِم، كنتُ أَتلهَّف للحُصول على شَيْءٍ غير الطَّعام، حَلقٍ ذَهبي، أو سِوارٍ، أو فُسْتانٍ جَميل، أو دُمْيَة من دُمى المَصانع، كنتُ أَتلهَّفُ للحُصولِ على حُبٍّ أبَوي واهْتِمامٍ خاص وتَحْقيق رغَباتٍ لم يُحَقِّقاها لي في يومٍ ما".

إنَّه التَّوْق إلى الانْعِتاق من قُيود القَهْر والرِّق المَكْتوم، وانْتِشاء رَوائِح الحُرٍّية والتَّنَعُّم بمَباهجِها بلا صَوْتٍ مَخْنوق، فحين يقَع الظُّلم بحَجْم قاماتِ الكِبار ويَقْصِم ظُهورَ مَنْ هم بقاماتِ الصِغار، يصير سِياط العِقاب بطَعْم الفُلْفُل الحار، والدِّفاع مَقْموعًا أمام افْتِراءات الكبار وغَطْرستهم، فلا صوتَ يعلو على أصواتهم ولا سَوْط يُرْفَع إلا سوط جلاَّدهم المَسْموع ..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة