أقوال جديدة في الغربة

لسبب ما أظن أن جيل من بداية ثمانينات القرن الماضي وحتى بداية التسعينات، لديه حكايات فريدة يريد أن يحكيها، ليست حكايات عما يحدث اليوم وما حدث بالأمس بل حكايات عما كان، قصص تناسب من عاشوا فترتين مختلفتين كل الاختلاف وعاصروا العالم وهو يتغير والأحوال وهي تتبدل، هم وحدهم من يستطيعوا الأن أن يقولوا "كان زمان"، هم آخر جيل يمكن أن يقولوا "كان العالم يسير أبطأ من ذلك".

 

قبل أن يسقط العالم كله في دوامة متسارعة من الأحداث، يمسي المرء ولا يعلم ماذا يصير غدا، فقد يصبح بلا بيت، ويمسي فجأة بلا مستقبل، بلا عين ربما، بلا قدم، قد يصبح معافى في بدنه ويمسي عاجز، هذه أشياء يذكرها الدعاة على المنابر كل جمعة وفي كل درس، لكن أظن عندما كنا صغار لم تكن تلك القصص كثيرة ومهددة لحياة المرء مثل الآن.

 

(2)

قد صرنا غرباء في أوطاننا، وغرباء في غربتنا، في أوطاننا نحتمي بأنفسنا، وتختبأ خلف من يشبهوننا، وفي غربتنا في بلاد الشمال أو الشرق أو الجنوب، نبحث عن أنفسنا فلا نجدها فنبحث عن الباحثين

إذا سألنا أبناءنا، أو أي صغار نقابلهم إذا لم نكن نملك أولاد ولا أسرة ولا حياة، إذا سألونا كيف كانت الحياة وأنتم صغار مثلنا؟! سوف نحكي حكايات عن الألفة وعن دفء الأسرة، عندما كنا نجتمع أول يوم في رمضان، ونصلي معا صلاة التراويح وسط الجموع، نحكي قصصا عن صلاة العيد، والبيت ذو السقف العالي والشبابيك الكبيرة، وحديقة المنزل، والورد البلدي، سنحكي كيف كانت الاحلام بوابتنا للمستقبل رغم غموضه.

وعندما يسألونا فماذا يختلف الآن عن زمانكم؟ سنقول لم تعد هناك حياة تتذكرونها عندما تكبرون.

 

(3)

غربتنا عن الحياة لا تُفهم إلا بغربتنا عن الآخرين، وغربتنا عن الآخرين تتولد من عدم قدرتنا على التواصل معهم، فهمهم، تبادل المشاعر، مشاعر الألفة الحب، الفرح .
كنا في الماضي نستطيع أن نفتح قلوبنا لمن لا نعرفه، نحكي له عن قصصنا وحكاوينا،  كنا نضحك سويا ونتبادل النصيحة والذكريات.

فجأة أصبح من غير الممكن أن نحكي للغريب، خوفا من أن يحكم علينا، أو يصنفنا، أو تصبح حكاياتنا خطر على الأمن القومي، صرنا نخشى الكلام، نؤثر الصمت، ونتجنب الدخول في أي نقاش مع من لا يشبهوننا، يجب أن نتأكد أولا أن من أمامنا يشبهنا تمام حتى نستطيع أن نتحدث.

 

لقد صرنا غرباء في أوطاننا، وغرباء في غربتنا، في أوطاننا نحتمي بأنفسنا، وتختبأ خلف من يشبهوننا، وفي غربتنا في بلاد الشمال أو الشرق أو الجنوب، نبحث عن أنفسنا فلا نجدها فنبحث عن الباحثين، ونلوذ بالمستضعفين مثلنا، نأوي إلى من يسمع نحيبنا الداخلي ولو كان حيوانا لا يفهم ولا يعقل، تائهين نسير في حشود من التائهين.

 

وصار من يجد الطريق يخفيه، إلا يسرقه الآخرين، إلا تطفئ برودة أنفاسهم شمعة النجاة، ولا نجاة على الطريق إلى بنا المفقودة!

 

(4)

إن كان حزنك لا يستحق، فلا تذكره، انساه أو تناساه، لكن إذا كنت ترى أن كبرياء المرء، يمنعه من الاستجداء، ومن التكاسل، وإظهار العجز، وأن الإنسان الأصيل لا يتاجر بألمه، فاجعل فوق ألمك جدران ثم جدران، طبقات بعضها فوق بعض، ومهما كان بداخلك مهزوم ومكسور لا تمل مع الشمس إذا مالت لتلهو، وإذا تعامدت فوق رأسك، جفف تحت أشعتها جروحك، وأقذف الثلوج في وجه القمر إذ هو تخابث عليك، وأغرس أظافرك في جبهة المُدعي الآفاق حتى لو قال بعدميتك.

مهما تكن ضعيف القلب فلا تستهون في إظهار صلابة وشدة، فأنت إذ تراخيت أكل لحمك الكلاب وهاجمتك السباع من خلفك وعلى يمينك ويسارك.

لا تصدق من يدعي العلم، ومن يهول من نفسه، ومن دعته نرجسيته ليتفاخر بما ليس له، هؤلاء جميعهم لم يمروا بما مررت ولم يروا ما رأيت، أعطي ودا ولا تعطي حبا، لا تقدم قلبك المحطم على طبق لأحد، فأنت إذا أخرجته من مكمنه ضاع، ومهما يكن قلبك الان لا يعمل، فلربما يأتي الربيع يوما فيمر فوق سمائه قوس قزح، إما إن أخرجته فضاع فهيهات أن تستعيده مره أخرى.

 

(5)

حتى الكلمات لا تصف، ما أشعر به، لا تصف الخوف والحسرة والحزن والغضب، لا تصف شعور أن تنفق لحظات من عمرك مديدة كانت أو قصيرة مع شخص تنمو فيها روحكما ثم تراه وهو يُقتل بدم بارد وانت عاجز حتى عن حضور جنازته

لا يمكنني إلا أن أكتب عني، عنك، عنا، فيما عدا ذلك كله لا يستحق الكتابة. لا يمكنني أن أكتب إلا فيما يتعلق بي وبنا في وسط هذا الخراب، لا يمكنني أن أكتب عن الخراب، لأنني أعيشه بداخلي وحولي، لكن أنا وأنت غيب، يمكنني تخيله، بحثه ونبشه، أما كل ما حولنا فهو معروف مسبقا، ومن لا يعرفه فهو أعمى ولا فائدة من إشعال النار في نفسك أمامه.

 

كل حرف يقربني خطوة، وكل حرف يبعدني ألف خطوة، كل حرف يبذر الخوف مثلما يحصد شجاعة مؤقتة وسهلة، مثل زهرة الصبار تخرج بطيئا وتموت سريعا، واتعجب ممن يملكون زمام اللغة، يتلاعبون بها كمهرج بالكرات، وأتسائل: أحقا صادقون فيما يقولون، أم هو محض استعراض لصناعة، كان من الممكن أن يكون الشاعر أي شيء آخر وكان من الممكن أن يكون الكاتب أي صانع آخر، لماذا يحترف اللغة والكتابة ولم يحترف صنع الفطير.

 

(6)

حتى الكلمات لا تصف، ما أشعر به، لا تصف الخوف والحسرة والحزن والغضب، لا تصف شعور أن تمر يوما بأحد وتبتسم له، ثم تمسي وقد رأيته مقتولا، لا تصف شعور أن تجلس مع أحدهم وتتبادلون الحديث والضحكات ثم في صباح ما، يخبروك إنه تم قتله، لا تصف شعور أن تنفق لحظات من عمرك مديدة كانت أو قصيرة مع شخص تنمو فيها روحكما ثم تراه وهو يُقتل بدم بارد وانت عاجز حتى عن حضور جنازته.

 

 أُكتب كي لا تبقى وحيدا، لكن تذكر أن وراء الجدران هناك قرب الصحراء، يقبع الرجال ينتظرون الخروج للحياة، كما ينتظر الشيخ المسن الموت.!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة