إسلام السوق والدعاة الجدد

لم أفاجأ يوما بموقف من يوصفون اليوم بـ "دعاة التنوير" في العالم العربي أمثال "أحمد الشقيري"، "عمرو خالد"، "مصطفى حسني" وغيرهم ممن يغري أسلوبهم في الدعوة الشباب بشكل خاص.. مما يحدث من استباحة للدماء والأموال والأعراض في بلدان الحراك عقب الثورات العربية سنة 2011، وموقفهم من الاستبداد الذي بلغ مداه من الحكام العرب، وبالأخص موقفهم المخزي من الانقلاب العسكري في مصر سنة 2013، إما صمتا أوتأولا متكلفا أو دعما صريحا، وقناعتي هذه راجعة -ببساطة- إلى أني لم أؤمن يوما بما يروجونه من إسلام متسلع يقدس الحرية الفردية ويتناسى قضايا الأمة الكبرى وينتقي من الدين ما يخدم أهدافه فقط كالحرية والسعادة والعمل وغيرها من القيم الكونية التي يؤيدها الإسلام لكنها تظل نسبية بالمقارنة مع الخصوصية التي تتميز بها الشريعة الغراء.

هذه الانتقائية الفاضحة للشريعة تذكرنا بما أقدم عليه أهل الجاهلية قديما حينما كانوا لا يأخذون من القرآن إلا ما يخدم أجندتهم ويوافق أهواءهم فعاب الباري سبحانه عليهم هذا السلوك لتعاطيهم الجزئي مع كلام الله كما قال في سورة الحجر: "الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ" (91). وهكذا هم الدعاة الجدد جاؤونا بتدين يروج لأفكار بعينها ويتغاضى عن أخرى، وهذا النمط الجديد يطلق عليه المختصون اسم "إسلام السوق".

داهية الدواهي وثالثة الأثافي أن تستبدل المفاهيم الأساسية للإسلام وما تحمله من قيم بأخرى واردة من النموذج الغربي المختلف تماما عن الثقافة العربية الإسلامية وإفراغها من محتواها الشرعي الحقيقي!

والذي يسبر أغوار أدبيات رواد إسلام السوق، يجد أن مفهومين اثنين يسيطران على الحقل الفكري والدلالي لهذا النمط الجديد من التدين، هما "الفردانية" و"الاستهلاك". وذلك راجع للتأثر الواضح بالجانب الاقتصادي المؤسس على المذهب الرأسمالي في الولايات المتحدة الأمريكية. فرواد هذا المذهب الديني الجديد -إن صحت العبارة- يريدون إسلاما قائما على إعادة قراءة الدين تحت ضغوط الثقافة الخارجية، وإفراغه من قيمه الكبرى وقضاياه الأساسية، والتركيز على المتعة الفردية والتنمية البشرية الكاذبة التي ما هي-في الحقيقة- إلا تسويق للوهم وصرف للمسلم عن التفاعل مع قضايا أمته تحت مسمى اكتشاف الذات وإيقاظ القدرات وتطوير الفرد !

وقد ألف الباحث السويسري باتريك هايني كتابا في الموضوع أسماه "إسلام السوق" يوضح فيه أبرز ملامح هذا النمط الجديد من التدين الذي يراد له الانتشار في العالم الإسلامي التي تتلخص فيما يأتي:
– الانفتاح على العالَم على حساب الهوية القومية والدينية.
– تقديس النزعة الفردانية على حساب العمل الجماعي التنظيمي.
– إعادة النظر في فكرة شمولية الإسلام لجميع مناحي الحياة وسيولة المبادئ.
– إهمال قضايا الدولة وأنظمة الحكم والمسائل المرتبطة بالعدالة الاجتماعية وعدم إيلائها أي اهتمام.
– التخلّي عن الأدبيات الكُبرى مثل: إحياء الخلافة، الحاكمية، وشعارات مثل "الإسلام هو الحل".

هذه المسائل هي عينها التي يتبناها هؤلاء الإسلاميون الجدد ويشيرون إليها في برامجهم من طرف خفي، وهذا التوجه الديني الجديد يذكرني بقساوسة الكنيسة الإنجيلية في أمريكا الذين أفرغوا المسيحية (المفرغة أصلا) من الجوانب التعبدية، وركزوا على تطوير الذات والاهتمام بالحياة لتحقيق السعادة وجلب اللذة تحت دثار روحي يهتبل الفرص للحديث عن تضحيات السيد المسيح ليعيش الإنسان السعادة الأبدية. ولذا لم يكن من الغريب أن تعتبر الكنيسة الكاثوليكية البروتستانتية بدعة او هرطقة داخل المسيحية.

ويضرب الباحث باتريك هايني مثالا على تأثير هذا النوع من التدين على دعاته، من خلال بعض المعالم الظاهر للإسلام الأصيل التي تم تحويرها من طرف فيقول :
"رغم أن هناك محاولات جديدة جارية بالفعل للترقيع والتوافق مع النماذج الغربية، فالحجاب الذي يرمز إلى حياء المرأة المسلمة أصبح يستعير العلامات التجارية الغربية، والنشيد الإسلامي هجر طابع التقشف والاندفاع النضالي وأصبح يستلهم إيقاعات أقرب إلى موسيقى حركات العصر الجديدة أو البوب أو الراب.." (ص34).

من المستحيل على الداعية "أحمد الشقيري" صاحب الخواطر أن يتحدث يوما ما عن الاحتلال الصهيوني لفلسطين ويشيد بتضحيات المقاومة الإسلامية والشعب الفلسطيني التي أوجعت العدو، أو ينتقد الحكام المستبدين ويدعوهم إلى إقامة العدل بين شعوبهم.

المسألة ليست مسألة أسلمة المعرفة والتكنولوجيا، فلو كان الأمر كذلك لكان في عمومه محمودا، والإسلام ليس ضد التفتح على العلوم بكافة أنواعها والأخذ بناصية التقدم الحضاري والعلمي والتكنولوجي واستغلاله دينيا بما يخدم الفرد والأمة على حد سواء، إنما داهية الدواهي وثالثة الأثافي أن تستبدل المفاهيم الأساسية للإسلام وما تحمله من قيم بأخرى واردة من النموذج الغربي المختلف تماما عن الثقافة العربية الإسلامية وإفراغها من محتواها الشرعي الحقيقي والقيام بما يمكن تسميته محاولة "تلفيق ثقافي" لهذه المفاهيم مع إلباسها مسوحا إسلاميا!

ولذلك لو ربطنا كل ما ذكر بواقع إسلام السوق عند بعض الدعاة سنخلص إلى أنه من المستحيل على الداعية "أحمد الشقيري" صاحب الخواطر أن يتحدث يوما ما عن الاحتلال الصهيوني لفلسطين ويشيد بتضحيات المقاومة الإسلامية والشعب الفلسطيني التي أوجعت العدو، أو ينتقد الحكام المستبدين ويدعوهم -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- إلى إقامة العدل بين شعوبهم، أو يحث على نصرة المستضعفين في سوريا أو العراق أو ميانمار، ومن سابع المستحيلات أن تسمعه يوما ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية في كليتها خاصة إذا ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ! وقل ذات الشيء عن "عمرو خالد" و"مصطفى حسني" ومن على شاكلتهم.

لذلك لست مبهورا بخواطر الشقيري ولا بقمرته، ولا بصناع حياة عمرو خالد ولا بخطى حبيبه، ولا بفن الحياة عند مصطفى حسني ولا برسالته من الله. فكل ما سيقدمونه لا يعدو أن يكون موجها للفرد في معزل عن اليقظة الجماعية للأمة.  فمعذرة لمحبيهم !!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

المؤسسات الدينية في مصر تواصل دعم النظام الحاكم، وأعلن وزير الأوقاف أثناء لقائه بالأئمة والدعاة في البحيرة تأييده لبيان دار الإفتاء الذي يحرم ويجرم التظاهر يوم 25 يناير.

يفتح هذا الكتاب نافذة لمعرفة ما جرى من ديناميات السياسة الداخلية والخارجية التركية التي قادت إلى ما أطلق عليه "الثورة الصامتة" التي حققها حزب العدالة والتنمية بفوزه الكاسح في انتخابات عام 2002، ليفتح بذلك عصر ما أطلق عليهم المؤلف "الإسلاميين الجدد".

يعيد الداعية الإسلامي عمرو خالد الحديث عن الأندلس من خلال برنامجه الرمضاني "قصة الأندلس" الذي تبثه أكثر من قناة فضائية عربية، وبذلك يحضر "فردوسنا" المفقود من زاوية "التاريخ" والعبرة وليس من زاوية الفن الدرامي كما اعتدنا على ذلك في رمضانات سابقة.

الأكثر قراءة