وتلك الأيام نداولها بين الناس

blogs - كتب قديمة
ما زلت أذكر ذلك الصيف الأخير في حلب في عام 2010 قبل انطلاقة الربيع العربي وزمن الثورات. أحاول اليوم تذكر وجوه الناس، شكل الشوارع، نمط الحياة وكيف كنا ننظر للأمور في ذلك الوقت. لم يكن يدور بخلد أي منا أن أياماً قليلة تفصل بين عهدين مختلفين لا يشبه أحد منهما الآخر بأي شيء. كان كل شيء مختلفا، حتى أحاسيسنا وردود فعلنا ونقاشاتنا. حدث لدينا نوع من المباهتة الصاعقة والتدفق السريع للأحداث. كان انقلاباً تاريخياً بشرياً مربكاً، بالنسبة لي على الأقل. أجزم أن القراءة التاريخية المعمقة والاطلاع على سير الأمم وبحثها وتمحصيها، أي استيعاب تلك التجارب البشرية المهمة وفهمها على مستوى شعبي واسع، كان سيمنحنا مفاجأة أقل أو استعداداً أفضل لمواجهة القادم وحسن التعامل معه.

فسنة الله في الدنيا ثابتة لا تتغير، تتغير الأسماء والشخوص والوجوه و تبقى السنة نفسها. 

يقول الله عز وجل (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ). (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ). (وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)فيما يلي سوف نستعرض أمثلة من التاريخ لانقلابات وتحولات جذرية تغيرت فيها الأحوال صعوداً أو هبوطاً مما يعطي صورة عن ثبات سنن التاريخ مع اختلاف الأمثلة والدول والأمم.
ظهور الإسلام:
في سنة 627 للميلاد وحين لم يكن وجود الإسلام سياسياً يشكل أكثر من نقطة صغيرة لا تكاد ترى على خارطة الجزيرة العربية التي تحدها إمبراطوريتان تاريخيتان للفرس والروم. كان المسلمون حينها محاصرون في المدينة خلف الخندق وقد اجتمعت عليهم قريش وقبائل العرب تريد إبادتهم. وزاد خطورة الأمر خيانة يهود بني قريضة الذين كانوا خلف المسلمين. كان لذلك اليوم جدياً أن يمحو أثر الإسلام من التاريخ مرة واحدة و إلى الأبد.

الدولة العظيمة التي أسسها أحد أحفاد تيمورلنك في بداية القرن السادس عشر وتوسعت وتمددت لتبسط سلطانها على معظم شبه القارة الهندية وتكون أعظم مملكة شهدتها تلك البقعة من الدنيا. متجسدة في نظام سياسي قوي وناتج اقتصادي عملاق.

نحن الآن في سنة 642 للميلاد، فقط على بعد خمسة عشر عاماً من ذلك اليوم في الخندق. المسلمون يرفعون لواءهم فوق قلعة نهاوند في الانتصار الحاسم على الفرس يوم معركة فتح الفتوح، منهين بشكل رسمي وجود إمبراطورية الفرس، الكيان السياسي الذي يجمع باحثو التاريخ على أنه من أعرق وأهم الكيانات في التاريخ الإنساني. خمسة عشر عاماً فقط كانت كفيلة لإعادة رسم واقع استمر لقرون طويلة من الزمن. انتقل العرب من شكل القبائل المتناحرة التي تعيش على أبسط مقومات الحياة وتدور في فلك القوى الخارجية القريبة وتحكم باسمهم، إلى شكل الدول الكبرى ذات النظام السياسي والمشروع الحضاري والمقومات العسكرية اللازمة لتحريك عجلة التاريخ وصنع أحداثه وفق رؤيتها ومصالحها.

حصار فيينا:
امتدت الدولة العثمانية على ثلاث قارات وبلغت ذروة توسعها وتمددها الجغرافي في القرن السابع عشر بضم إقليم بوداليا الذي كان تابعاً للكومنولث البولندي-الليتواني. كان ذلك أقصى امتداد في الشمال الأوربي. كانت الأمور ممهدة بعد عصر إصلاحي جيد قاده وزراء من ال كوبريللي لمطاردة الحلم القديم، عاصمة الخصم الأوربي الأول فيينا. خرجت حملة عسكرية ضخمة قادها الصدر الأعظم قرة مصطفى باشا وفرض الحصار حول فيينا عام 1683 للميلاد. كانت كل الموازين في الكفة العثمانية لجعل فيينا جوهرة التاج العثماني المكتمل. لكن الهزيمة الساحقة حلت بوصول نجدة الحلف المقدس يقوده ملك بولندا يوحنا الثالث، والذي فك الحصار العثماني منقذاً المدينة، ثم أنزل هزيمة كبيرة بالجيش العثماني المحاصر وجعله أشتاتاً. كانت تلك الهزيمة مشابهة لانهيار سد عظيم يحجز خلفه بحيرة عملاقة.

انهار السد بحلول الهزيمة وانطلقت سيول الأوروبيين وفي مقدمتهم الألمان تجرف كل ما في طريقها مدمرة كل شيء يحمل الصفة العثمانية. لم تتوقف العاصفة حتى وقع العثمانيون معاهدة كارلوفيتز عام 1699 للميلاد. لم يخسروا فيها مساحات واسعة من الأراضي الأوروبية فقط، بل خسروا موقعهم كمتسيد لشؤون القارة وفاعل أساسي فيها وكانت أول مرة تدفع فيها الدولة العثمانية غرامات حرب. ودخلت الدولة بعد ذلك في سلسلة متواصلة من التراجع والانحدار لم تتوقف إلا بالسقوط النهائي بعد قرنين. كانت ستة عشر عاماً فقط فترة كافية لعكس ثلاث قرون من التوسع والهيمنة العثمانية في أوروبا ورسم أفق النهاية العثماني.

نادر شاه هو ذلك الحاكم الإيراني الذي صال وجال في وسط اسيا وقهر بانتصاراته العسكرية كل جيران إيران حتى تلقب بنابليون فارس. عاث نادر شاه وجيشه فساداً في العاصمة ونهب كل كنوزها.

إمبراطورية أورنكزيب:
تاج محل الذي يشتهر بين الناس لجماله وعظمة عمرانه وارتباطه بقصة حب، يستطيع أن يقدم لنا صورة عما كانت عليه سلطنة مغول الهند. هذه الدولة العظيمة التي أسسها أحد أحفاد تيمورلنك في بداية القرن السادس عشر وتوسعت وتمددت لتبسط سلطانها على معظم شبه القارة الهندية وتكون أعظم مملكة شهدتها تلك البقعة من الدنيا. متجسدة في نظام سياسي قوي وناتج اقتصادي عملاق بلغ ربع الناتج العالمي كله. ازدادت هذه الدولة قوة في عهد شاه جهان باني تاج محل. لكنها بلغت ذروة هرم مجدها مع ابنه السلطان أورنكزيب عالمكير. والذي جعلها تمتد من كابول و قندهار في أفغانستان حتى أقاصي جنوب الهند. وحقق من العدل والرخاء ما لم تعرفه تلك البلاد قبله ولا بعده. استمر حكمه المتين المؤزر قرابة الخمسين عاماً. وخرج على عادته في حملاته العسكرية بعمر الثامنة والثمانين ليتوفاه الأجل عام 1707 للميلاد، تاركاً مملكة عظيمة وخزانة مليئة وجيشاً جراراً. ما أن وري أورنكزيب الثرى حتى انقلبت الأحوال وبدأت الثورات والفتن وأصبح التصارع على الحكم والنزعات الإستقلالية لأطراف السلطنة المتباعدة سمة تلك الفترة.

عام 1738 للميلاد اجتاح نادر شاه الأفشاري دلهي عاصمة السلطنة، نادر شاه هو ذلك الحاكم الإيراني الذي صال وجال في وسط اسيا وقهر بانتصاراته العسكرية كل جيران إيران حتى تلقب بنابليون فارس. عاث نادر شاه وجيشه فساداً في العاصمة ونهب كل كنوزها الأثيرة، وباتت كما يصف التعبير القرآني (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ). وفي منتصف القرن كان البريطانيون وشركتهم الشرقية قد أكملوا التغلغل الممتد لعقود طويلة وانتصروا في معركة بلاسي في البنغال في شرق الأمبراطورية. وبدأ البريطانيون الهدم الفعلي لتلك المملكة العظيمة والذي استمر متدرجاً على مدى عقود ليقضوا عليها رسمياً سنة 1858. إذاً فقد كانت ثلاثون عاماً فقط من وفاة أورنكزيب كافية لتفكك كيان عظيم كان من أقوى وأغنى ممالك الأرض قاطبة والتمهيد لأحداث جسيمة جعلته أثراً بعد عين.