هل تتحقق نبوءة "البراء أشرف"؟!

مدونات - البراء أشرف

في مطلع رمضان، تماما في النصف الأخير من 2016 تعرفت عليه وفي ذروةّ قيظ رمضان والحر، اتفقنا على اللقاء والإفطار سوياً ومن نبرة صوته كان منزعجاً من تصرف أحد الأصدقاء حيال بعض المعدّات الجديدة ونقلها للمكتب، إضافة لتأخر نشر مقالتهِ. كّنا واقفين وسطَ هذه الجموع المهذارة، كأي شخصين تجاورا صدفةً ملامحهُ مرهقة وصدى تعقيبات الناس حول ما يطرحه من أفكار هدّه وأفتَر فيه جهده، لكنه رغم هذا لم يتوانى لحظة عن البوح والسرد والتفكر وكتابة نصوصه التي يسهر عليها دائما بمقهى يشبه المقاهي المغربية القديمة في الحيّ الذي يسكنهُ، مقهى يتكئ على تصميم فريد ناصع فيه كثير من الإتقان -شخصياً- كلما دخلته أحسست بانتماء المكان لي فلا أدري أكان يتزيّنُ بنا؛ أم كنا نتزينُ به!

يحاول البراء أن يكون صادقاً في كل أجوبته وفي حالة الأسئلة العادية كسؤال "كيف حالك" كان يستفيض بالإجابة ويسرد الأحداث السلبية والإيجابية في حياته متمسكاً بالسيجارة التي لا تفارقه.. أدنيت فَمَي إلى أُذنه، اقتربَت أكثر، كأني أريد أن أسرَّ إليه بشيء مهم، لكنِ رفعت صوتي ولم أخفته بإجابةٍ على سؤالٍ لم يطرحه أحدٌ: في مقالك القادم أكتب عن تجربتك مع الناس وحقدهم وخذلانهم المستمر لما تكتبه ولشخصك فلقد أفسدوا عليك يومك، ثم سكت عاقدا حاجبيه وأضاف بلهجة فيها شفقة "كل الذين التقيتهم سابقاً، في سنوات حياتي التي أظنها قليلة وقد كانت كذلك بالفعل، يشكون من نفس ذات المسألة..

كان البراء يرجع سبب الحزن من تجاهل أو حتى عدوان من بذلنا له الكثير؛ إلى اعتقادنا بأننا افتقدنا "قلباً ممتنّاً"، خصوصاً وأننا لم نكن نقصد من وراء تلك الخدمات شيئاً كمنافع مادية ونحوها.

آراء الناس فينا، تقييمهم المستمر لنا.. كلنا نكافح للوصول إلى حالة من التبلد.. بحيث لا ننشغل بالناس أكثر من انشغالنا بأنفسنا.. أريد من العالم أن يساعدني، يساعدنا، بل ويساعد نفسه، بحيث يتوقف الآخرون عن إبداء الملاحظات والآراء والانطباعات والتقييمات المستمرة.. هذا سيساعدنا دون شك على الشفاء بشكل أسرع، والعالم مكان أفضل جداً، دون كل هؤلاء المرضى" – من نص مقاله الأخير "ماذا أنتظر من العالم قبل بلوغ الثلاثين"- والذي تلاه مجموعة من المقالات بعدها وقد قيل "إن البلاء موكلٌ بالمنطق" فربما كانت هذه إحداها.

ستة أشهر كانت كفيلة للتعرف على البراء ومشاركة التجارب والأسئلة وهي بداياتي أيضاً في الصحافة، وبالرغم من قصرها -مدة صداقتنا- إلا أنها علمتني الكثير وآخرها كان عن الخذلان والذي لم أعايش بعضا منه إلا بعد رحيله، فخذلان من نرى أننا قدمنا له الكثير يجعلنا نأسى على أنفسنا إذ يستحيل إرضاء خلق الله وهذا مالا يجب أن نفكر به، إذ لا ينبغي لنا أن نأسى لذلك، لأننا في قراراتنا لم نقصّر معه، وقمنا بما نظن أنه اللائق، ونحن -في الحقيقة- لن نخسر شيئاً ذا قيمة حقيقية بتنكّر الآخرين لنا، فنكرانُ الجميل شائعٌ في الناس، وربما كان من محاسنه أنه كشفَ معادن النفوس، ومثلُ هؤلاء لا ينبغي أن نتطلّع إلى امتنانهم كمكسب عظيم.

 كان البراء يرجع سبب الحزن من تجاهل أو حتى عدوان من بذلنا له الكثير؛ إلى اعتقادنا بأننا افتقدنا "قلباً ممتنّاً"، خصوصاً وأننا لم نكن نقصد من وراء تلك الخدمات شيئاً كمنافع مادية ونحوها، فإن كنا نتقصّد "الكسب" من وراء ذلك "الكثير" الذي قدمناه، وكنا ننتظر منه المكافأة، فلا ينبغي الحزن أيضاً، لأن الحياة سوق برأيه، قد نخسر هنا ونكسبُ هناك، وتوالي الربح والخسارة من طبيعة الحياة، فلا يوجد رابحون أو خاسرون إلى الأبد، وهو على حق إذ "تلك الأيام نداولها بين الناس"، فليس هناك ما يدعو للمبالغة في الألم والتفجّع. أما إن كنا لا نريد من وراء "كثيرنا الذي قدمناه" سوى الإخلاص والصدق والمحبة، فالحمدُ لله الذي كشفَ حقائقهم لنا، ليس بالضرورة لأنهم أشرار أو سيئون، بل لأننا علّقنا بهم أملاً، لم يكونوا جديرين به والحقيقة أننا اكتشفنا ذلك متأخرين قليلاً، لكننا اكتشفناه وهذا مكسبٌ لا يُستهان به!

في ظهيرة السادس من آيلول\ سبتمبر ٢٠١٥ لا أنسى ذلك اليوم أبدًا. كنت أتابع العمل كما هي العادة، لا أشعر بحادث ولا أرى بأسًا، اللهم إلا هدوءًا غريبًا تنقبضُ له النفوس وتفزع. وإلا وفجأة نسمع بخبرِ وفاته كالصاعقة..

مات  البراء أشرف وانكشف للناس أصله الطيب وانكشف معه أيضاً أنّ النفوس كالتربة، نحنُ نبذرُ فيها المعروف، ونسقيه -أي معروفنا- بما يليق به من عدم المنَّ، والإحجام عن الإلحاح والتصريح بالمطالبة بالجزاء، فإن هي أنبتت قلباً ممتناً، يجازي الحب بالحب، والعطاء بالعطاء؛ فالحمدُ لله.. وإن لم يكن الأمر كذلك؛ فلا تجزع واعلم أن هناك أرض بور لا تقبل أبدا نبت المعروف، وبلاد الله شاسعة والارتحال متيسر.

اتضح أن نكران الجميل وحديث الناس مؤلم، لأنه كشفَ أن الآخرين لا يقدّروننا كما يجب (أي كما نريد)، ولهذا هم لا يمتنون لنا، لا يشعروننا بالكمال، فالإحساس بـ"كمالِ الذات" هو الذي نريده.

خلاصة، فافتقادنا للقلب الممتن هو السبب في الأسى الذي يلحقُ بنا من جراء نكران الآخرين للجميل الذي أسديناه لهم، هذا الافتقاد للتقدير والاحتفاء الذي كنا نتوقعه أو ننتظره، والذي تبخّرَ فجأة، هو ما بعثَ فينا مشاعر الحسرة والمرارة، ربما هذا يعود إلى حساسيتنا المفرطة أحياناً تجاه تقييم الآخرين لأفعالنا، مع أن الإحساس دليل حياة، فتبلّد المشاعر موتٌ، لكنه عندما يكون مرهفاً فسيجلب على صاحبه المتاعب.

على الشخص المرهف أن يخفّض من سقف توقعاته لردود الأفعال تجاه صنائعه الخيّرة، عليه أن يتحرّر من رق "القلب الممتن"، فإن الامتنان لن يقدم له سوى "الشعور بالرضى عن الذات" وهذا وإن أشعره بالبهجة حينا إلا أنه في الأخير مصليه حفرة ما يقع فيها، حفرة ربما كانت في انسحاب المبالغ وفراغ امتنانه أو في معطى غير دقيق مبالغ فيه؛ يورده موردا لا يتناسب مع جاهزيته الحقيقية.

أميل إلى تفسير تحرينا للقلب الممتن بأننا -أي كل الناس في الواقع- نفتقد المعيار الذي نزن به ذواتنا، ولأننا نتمنى أن نرى ذواتنا في صورة كاملة ترضينا؛ فإننا نبتهج جدا بالقلوب الممتنة، ذلك أننا بها وجدنا معيارنا المفتقد وكمالنا أو بالأحرى سعادتنا التي نبحث عنها لأننا نراها كالمرايا التي أبصرتَ فيها ذواتنا الحسناء، ولا لومَ على من اغتبطَ بنفسه عندما اكتشف أنها عظيمة، ولهذا فإننا عندما نفقد قلباً ممتناً، فإننا سنعود على ذواتنا بالشك والحيرة والمساءلة المقلقة، وهذا مزعج بلا ريب.

"القلب الممتن"، ليس إلا مؤشراً نقيس به ذواتنا، لكن السؤال هو عن مدى دلالة القلب الممتن؟!.. مما لاشك فيه أن دلالته غير دقيقة، ولهذا لن يكون كاشفاً نزيهاً عنّا أمامنا، لذا لا تدع ذاتك وأسر النتائج، فك أغلالك وقس بعقلك الآراء وافترض القصور مع كل امتنان لك أو مدح، وافترض آثارة من خير بك يبنى عليها؛ مع كل نقد أو تجريح، كن حرا واقتصد، ولا تضع ذاتك أبدا في دائرة التعلق، فكم من مرايا صدئة تخفي الحسنات، وكم من مرايا مقعرة كاذبة تميد بك بعيدا إلى حيث لا أنت حسنا ولا جمالا.

بينما على جانب آخر ندلف إلى كل نقد أو تجريح أو نكران يطالنا على أنه انعكاس من مرآة متسخة، هل للمرايا المتسخة أن تظهرنا بشكل جيد؟! بالتأكيد لا، وإنما على الدوام ستظهرنا منتمين إلى اتساخها، لذا فإننا في الغالب مهما بدت ملامحنا في تلك المرايا شائهة؛ فإننا نمضي مطمئنين واثقين أنها هي المتسخة لا نحن،وإن كانت صادقة، فالواجب أن نجتهد في تدارك القصور.

من جعل كل أعماله لله تعالى، لن يحزن بتنكّر الآخرين، لأن الله إن كتبها له أجراً، فلن يمحوها تناسي أهل الأرض جميعاً، فعليه أن يراقب الإخلاص في قلبه، وليجاهد لتكون النوايا نقيّة..

إذن.. اتضح أن نكران الجميل وحديث الناس مؤلم، لأنه كشفَ أن الآخرين لا يقدّروننا كما يجب (أي كما نريد)، ولهذا هم لا يمتنون لنا، لا يشعروننا بالكمال، فالإحساس بـ"كمالِ الذات" هو الذي نريده ونتطلّعُ إليه في النهاية، حتى ولو لم نكن نعي ذلك بوضوح.

إن من جعل كل أعماله لله تعالى، لن يحزن بتنكّر الآخرين، لأن الله إن كتبها له أجراً، فلن يمحوها تناسي أهل الأرض جميعاً، فعليه أن يراقب الإخلاص في قلبه، وليجاهد لتكون النوايا نقيّة.. اعملْ لله ولن تندم ألبتة، ولن يشعرنا بالرضى عن ذواتنا مثل الإخلاص لله وحده، فإن ذلك سيسقط كل تلك المعايير الهزيلة والمتلوّنة، وسيخلّصنا من الركون إليها، وسيجعلنا نقرأ ذواتنا بوضوح ونحسُّ بها ونراقب اكتمالها بسرور.  هكذا كان البراء ملهمًا، يمضي إلى الأمور التي تنكس عزائمنا فيحيلها كنزًا من الانطلاق الجميل والاندفاع العظيم، الرماد ذهبا والأحزان طاقة ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ، لن يضروك إلا بما قد كتبه الله عليك.. جفّت الأقلامُ، ورُفعت الصحف!

بطريقته الساخرة يضحك -البراء- ويعدل نظارته يمسك هاتفه ويستأنف عمله في التنظيم والتخطيط لمرحلة مقابلات العمل فالتفتت أنا نحو الناس التي تجمّعتْ ودخلَ بعضُها في بعض، كما لو كانت ماءً صُبَّ عليه ماء، ثم سالتْ إلى مرعاها الذي تعرفُه جيدا، وكأنها تعلنُ بذلك عدمَ احتياجها إلى أحد.. أمسك كل منا اللآب والطبق، اصطدمت كتفينا بحثاً عن مكانه المعتاد، واندفعنا خلف التكنولوجيا بانتظار الآذان، فانشغلنا بذلك عن كلام الناس، ونسيناه!