نكهة رمضان

DUBAI, UNITED ARAB EMIRATES - MAY 29: Muslims break their fast with iftar during the holy month of Ramadan on May 29, 2017 in Dubai, United Arab Emirates. Muslim men and women across the world observe Ramadan, a month long celebration of self-purification and restraint. During Ramadan, the Muslim community fast, abstaining from food, drink, smoking and sex between sunrise and sunset, breaking their fast with an Iftar meal after sunset. (Photo by Francois Nel/Getty Images)
كنت أظن في يوم ما، أن قراءة القرآن بشغف في رمضان وإهماله فيما عدا رمضان هي إحدى صور الموسمية التي ابتُلي بها المسلمون في حاضرهم، حيث يعبدون الله في رمضان وينسونه فيما سواه فيما يشبه الفصام في الشخصيات، وحيث يتغير السلوك بشكل حاد أحياناً ما بين رمضان وما بعده. نعم قد يكون هذا جزء من الحقيقة، لكنه ليس كلها.

بقية الحقيقة، أنّ كرم الله العميم، يقضي بأنْ يتقبّل منهم هذه الموسمية، رغم سذاجتها، ولا يضيع أعمالهم رغم غرابة تركُّزها في زمن معين وانعدامها تقريباً في أزمان أخرى، ويسامحهم على سوء فهمهم وسوء تقديرهم لقدْره العظيم وهو الرب الرحيم الذي لا يقطع نِعَمَه عنهم ويكلأهم بالليل والنهار وطوال حياتهم، ويجعل لهم موسم رمضان زاداً لبقية العام، حتى وإن قصروا في حقه لاحقا، فكرم الله ليس له حدود.

بقية الحقيقة، أن القرآن لا يُملّ مع كثرة الترديد، فتنوع مواضيعه كتنوع أحداث الحياة، وتترتب تلك المواضيع بحسب سياقها في الحياة الفعلية لا بحسب مواضيعها النظرية، بحيث يفهمه القارئ في كل مرة فهماً مختلفاً وكأنه يقرأه لأول مرة، وبحيث تتنوع السياقات ليجد كل قارئ أو سامع نفسه أقرب إلى أحدها فيما يشبه التباديل والتوافيق اللانهائية بحسب طبائع البشر وطرق تفكيرهم وظروفه المعيشية، مما يكسب نصوص القرآن حيويتها ومرونتها عبر الزمان والمكان.

إنني أحنّ إلى نكهة رمضان في بلدي ولو جار الزمان عليه، وأحن إلى البساطة في التدين التي كانت سائدة في بلدي قبل أن تجتاحها الحروب والنزعات الطائفية.

بقية الحقيقة، أن القرآن له مذاق خاص في رمضان، لا يمكن إنكار ذلك، يشهد بذلك كل الناس حتى أولئك الذين يحفظونه، وأولئك الذين يقرأونه طول العام، بانتظام، وربما كان الجو العام في رمضان وارتباطه بالقرآن نزولاً وتلاوة وقياماً هو سبب تلك النكهة المميزة كتلك النكهة التاريخية التي يجدها من يطوف ببيت الله الحرام حاجّاً أو معتمراً، مستذكراً خطوات نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل، ومتتبعاً نداءه من كل فجٍّ عميق.

بقية الحقيقة، أن كثرة قراءة القرآن تفتح أبواباً جديدة للقارئ الذي قد لا يكون بنفس درجة التركيز والتدبر للكلمات في كل مرة، بالرغم من أن التفكير الجيد في تلك الآيات يوفِّر أعواماً عديدة من الفهم على القارئ المتدبر بالمقارنة بسواه ويُكسب صاحبه آلاف الأفكار المتجددة وآلاف المفردات بما يشكّل ثروة فكرية ولُغوية هائلة، حيث والتفكير عبادة في حد ذاته، وساعة منه تعدل آلاف ساعات العبادة المحضة.

في رمضان، تتنوع طرق التعامل مع القرآن ما بين القراءة السريعة بغرض الانتهاء من الأجزاء وختمم القرآن أكثر من مرة، وبين سماع القرآن بأكثر من وسيلة أهمها صلاة القيام، هذه الوسائل جميعها تتكامل لتجعل من رمضان شهراً قرآنياً بامتياز، وتخلق جواً مناسباً للتعرف على خبايا هذا الكتاب السماوي العظيم الذي لا تنقضي عجائبه.

لا بد أن نعترف، نحن الشباب، أنّ أولئك المسنّين الذين يقبلون على قراءة القرآن بشغف وبلا كلل أو ملل وعلى مرّ سني عمرهم الطويلة، أكثر منا إحساساً بهذه النكهة الفريدة للقرآن حتى ولو كنا أكثر منهم علماً وثقافة أحياناً حيث وأن الطريق إلى الله يسلكه المتعلم والجاهل، الصغير والكبير، لكن سرعة السير تعتمد فقط على نقاء القلب وسلامة المقصد، والاستمرار في العمل ولو كان قليلاً. يشهد بذلك دبيب خطواتهم إلى بيوت الله وأصوات قراءتهم للقرآن التي تبعث في نفوس أبنائهم الشجن والحنين لهذه العبلعبادة وتضفي جواً من الطمأنينة والسكينة في حياة مَن حولهم.

إن القرآن له مذاق خاص في رمضان، لا يمكن إنكار ذلك، يشهد بذلك كل الناس حتى أولئك الذين يحفظونه، وأولئك الذين يقرأونه طول العام، بانتظام.

ولا بدّ أن أعترف بأنني أخطأت في تقديري عن أولئك الِشيب ذوي البشرة المجعدة في مساجد بلدي القديمة، الذين قضوا أعمارهم في قراءة كتاب الله، فكافأهم الله أن جعلهم يستمتعون بتلاوته حتى آخر أعمارهم ويتلذذون بمناجاة خالقهم بأفضل الكلام وهو كلامه عزّ وجلّ، بينما هناك من حُرِم من هذه النعمة وهو في أوج شبابه، وعنفوان عقله، وقوة بدنه لانشغالٍ أو لقلّة توفيق، ومن شبّ على شيء شاب عليه، كما يقال، وما كان الله ليُضيع أعمالهم وهو الكريم.

أعترف بأني أخطأت في فكرتي عن الموسمية في العبادة، حين تعاملت معها بعقل البشر وإمكانات البشر وتناسيت كرم الله الذي ليس له حدود، فضله العظيم ورحمته التي وسعت كل شيء، وأخطأت عندما وضعت نفسي في موضع من يُقيِّم الآخرين، وما يكون لي ولا لغيري من البشر أن يضع نفسه في مقام الحُكم على العِباد، حتى ولو على سبيل النصح، فالفرق واضح بين الناصح والقاضي.

أعترف بأنني أحنّ إلى نكهة رمضان في بلدي ولو جار الزمان عليه، وأحن إلى البساطة في التدين التي كانت سائدة في بلدي قبل أن تجتاحها الحروب والنزعات الطائفية والتعصب السياسي والمذهبي، وليت لي إيمان كإيمان عجائزها.