ليلة واحدة

blogs - praying

دائمًا ما كان يجتاحُني الانذهالُ والتساؤلُ حوْل كوْنها ليلة واحدة! من مَغرِبِ أحد أيّام الله، حتّى مطلع الفجر.

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ".

 

في كلّ عامٍ يمرُّ علينا، تمرُّ ساعاتُها المعدودة، سواء أدْركناها أمْ لم ندرك، فكيف بِهذه الليلةِ الواحدةِ أن تُعيد توجيه مسار الحياة بما يتوافق مع ما أرسلنا لله من دعواتٍ فيها؟ كيف لها أن تُحيل البعدَ قُربًا، والغضبَ رضًى، والبؤسَ فرحًا، واليأسَ أملًا وحياة؟ كيف لنا نحنُ أنْ نؤمن بخياليّة حسابٍ تَساوَت فيه ليلةٌ واحدةٌ بألفِ شهرٍ قدرًا ومقدارًا؛ ثم لا نحسَبها ليلة العمر؟!

هي ليلةٌ واحدة.. لكنّها كألفِ شهرٍ ويزيدون، في أجرها وثوابها، وكذلك في قدرتها على التغيير في موازين حياتك وقلبك، فاحرص على ألّا يُنير صباحُها إلا وأصابَ منها هذا القلبُ شيئًا، ولا تدَّخِر فيها عَبرة حُبٍّ أو خَوف

إنَّ فكرةَ وجود ليلةٍ واحدةٍ تحملُ في ساعاتها عطايا ممّن لا ينقطعُ عطاؤه في كل الأيام، وقَبولًا ممّن لا يُرَدُّ عندَه مُقبِل، يعني؛ فكرةَ وجود ليلةٍ لفتحِ أبوابٍ مفتوحةٍ أصلًا هي إشارةٌ إلى أنّها ساعاتُ قبول الخلاصة، خُلاصة إيمانٍ وعملٍ دام طويلًا..

 

إنّها دعوةٌ رافقتكَ طول السنة، ثُمّ تركّزت أيّما تركيز في هذا الشهر الكريم، لتَجِد في ليلة القدر مقرّها واستقرارها، هي لحظةُ قُربٍ مشيتَ إليها في السابق أميالًا، ثم انْتَشَلَتك ليلة القدر لتجد نفسَكَ على الأعتاب، هي أقدارٌ سَعَيتَ لها وتمنّيتَ أن تكون، لتأتي هذه الليلة التي فيها يُفرق كلُّ أمرٍ حكيم، هي تجديدٌ لعهدٍ موجود، وبناءٌ لعهدٍ جديد، وحسنُ ظنٍّ بمالك الزمان والمكان.. هي سلامٌ لم تشهد القلوبُ أرفق ولا أصدق منه.

 

في مثل هذه الليلة، سمح الظلامُ أن يجتاحه نورٌ عظيم، ليصيرَ هذا النور بعد ذلك مصدرَ الهدى والرحمة لأهل هذه الأرض كلها، فهل يعجز مُنزل القرآن أن يُنزل في قلبك نورًا! في مثل هذه الليلة، نزل كتاب الله على رسول الله صلى الله عليه وسلّم مُجيبًا لحيرةٍ رافقته أيامًا وليالي في غار حراء، فهل يعجزُ مُنزِلُ الكتاب الفصْل أن يجعلك تهتدي من حيرتك! في مثل هذه الليلة، كان ميلاد الإنسان الجديد، "أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاس"، فاجعل من هذه الليلة ميلادًا لهمّة تجعلك تُقيم أمر الله في كلّ ما تَسلُك، ميلادًا لعملٍ يجعل هواك تَبَعًا لما جاء به رسول الله.

 

هي ليلةٌ واحدة.. لكنّها كألفِ شهرٍ ويزيدون، في أجرها وثوابها، وكذلك في قدرتها على التغيير في موازين حياتك وقلبك، فاحرص على ألّا يُنير صباحُها إلا وأصابَ منها هذا القلبُ شيئًا، ولا تدَّخِر فيها عَبرة حُبٍّ أو خَوف.

 

نعم، ليلةُ القدر ليلةٌ واحدة.. لكنَّ الزمانَ يُطوى في حضرة الصدق. سُبحانك يا رب، ما عبدناك حقَّ عبادتك، سبحانك ما رَجَوناك حقَّ رجائك، سُبحانك لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.