لا فقاريات تتحكم بأعمالنا

blogs - إدارة

الحقيقة العلمية التي يعرفها الجميع بأن النظم الإدارية قد وُلدت في مؤسسات عسكرية صارمة، كانت تسعى من خلالها إلى الضبط والتنظيم والتأكد من القدرة على التحكم بالفرق أو الجيوش وقت الأزمات والحروب، والوصول إلى الأهداف بأقل حجم من الخسائر والأخطاء. ومع تقدم الأيام انتقلت هذه النظم إلى الحياة الاجتماعية والاقتصادية وأصبحنا نراها بشكل واقع في المشاغل والمصانع التي تدير مئات أو آلاف من العمال والموظفين، والذين تم إدارتهم بنفس الطريقة الإدارية الصارمة التي أديرت بها الجيوش.

 

مضى وقت طويل جداً ولم تستطع المؤسسات والشركات الخروج من هذه النمطية والصرامة في هياكلها التنظيمية، والتي خدمتها كثيراً في تنظيم أعمالها وضبط خطوط الإنتاج فيها. ولكن مع السيولة الكبيرة التي بدأت تميز حياتنا حالياً بتنا نرى نماذج من كسر الصرامة والرتابة الإدارية التي رافقت بعضاً من المشاريع والمنظمات، والتي حاولت بكل جهدها إثبات نجاح تفوقها على سابقتها الجامدة حسب زعمها.

 

في مثال شبكة "القاعدة" نرى أنها دخلت كثيراً من دول العالم ونفذت فيها أعمالها بشكل يخترق النظم الإدارية ويتغلغل فيها، بنفس النمط الإداري اللامركزي الذي انطلقت منه، بلا هيكلية واضحة، وبلا مركزية لاتخاذ القرار، حسب نموذج يطلق عليه علماء الإدارة "الاخطبوط".

في النموذج الأخطبوطي، وحسب علماء الإدارة، نرى جسماً يحوي كثيراً من الأذرع الممتدة والعاملة، بلا رأس، وبلا تحكم مركزي، حسب المظهر الخارجي والبارز لنا!

 

المثير في هذه النظرية أن أصحابها يدّعون بأن اخطبوطهم بلا رأس، وهذا ما لم يستطيعوا إثباته بعد، ففي الشركات الكبرى كــ "أبل" يتحكم مجلس الإدارة في كل تفاصيل العمل ويوجهها، ويضع الخطط والتوجهات

وفي احدى مقابلات ستيف جوبز التلفزيونية أشار إلى شئ من هذا القبيل إذ ذكر بأنهم يديرون شركة "أبل" بطريقة الفرق اللامركزية، تجتمع مرة بشكل دوري، وتقوم بالتنفيذ والعمل بشكل لامركزي وحر، وبهذا وصلوا إلى نتيجة عالية في الأداء.

يرى بعض علماء الإدارة كبيل برين وجاري هاميل بأن المستقبل في المنظمات هو للنظم اللامركزية الديناميكية، والتي تملك الكثير من المرونة ولديها القدرة على التحرك بسرعة ونشاط أكبر. وهذا يشير بشكل واضح إلى قلب الجسم وما حوله، أي العمليات التنظيمية الداخلية، وخاصة الروتينية منها.

 

المثير في هذه النظرية أن أصحابها يدّعون بأن اخطبوطهم بلا رأس، وهذا ما لم يستطيعوا إثباته بعد، ففي الشركات الكبرى كــ "أبل" يتحكم مجلس الإدارة في كل تفاصيل العمل ويوجهها، ويضع الخطط والتوجهات، وفي تنظيم القاعدة ثمة شكوك كبيرة – وإن لم تثبت بشكل علمي بعد – حول وجود أذرع خفية تحرك هذا الجسم اللافقاري، وتوجهه بطريقة مدروسة إلى غايات محددة، بحيث يصمت في لحظات حرجة وكأنه ساكن لا حراك فيه، ويتحرك بكل هوادة وعنف في لحظات أخرى وكأنه لم يسكن قط!

 

واليوم، وفي اختبار اختيار النموذج والهيكل الإداري للمنظمة، تقع الإدارات أسارى الاختيار بين فتح باب الحرية للفرق لاختيار وتطوير طرقها العملية والعلمية للوصول إلى أهدافها، وإعطائهم دور أذرع "الأخطبوط"، وبين شهوتهم في استخدام القوة والسلطة الممنوحة لهم بصفتهم قادة ومدراء لهذه المنظمة، لضبط العمل وتوجيهه حسب الطريقة التقليدية التي تمرسوا عليها، وفي الحقيقة أنه لا يوجد جواب مباشر على هذا السؤال لكثرة المتغيرات التي تلعب دورها في إدارة المنظمة، فما ينطبق على المؤسسة العسكرية لا ينطبق بالضرورة على الشركة التجارية، وما نراه في مؤسسة حكومية لا يمكننا نسخه بشكل كامل لتطبيقه في مؤسسة شبابية أو مؤسسة رائدة. والفاصل في كل هذا هو استخدام ودراسة أفضل الممارسات والحالات السابقة لنا واتباع مبدأ "التجربة والخطأ" إلى أن نصل إلى النموذج الإداري الأنسب لأعمالنا.