لا تُحَرِّقْ بِه فُؤَادَكَ لِتَعْجلَ به!

مدونات - الزوج
إنَّ أكثر ما يُحَرِّقُ الفؤادَ دون أدنى شَكٍّ هو ما نعيشُهُ من ذُلٍّ وهوان جرَّاء تفرِّق كلمتنا؛ فذهبتْ ريحنُا وأصبحنا نجزع خائفين، فلا رابطة الدم ولا رابطة الدين شفعتْ لقطع يدٍ اندسَّتْ لتجعل بيننا العداوة والبغضاء، يدٌ ليستْ من ظهرانينا قَسَّمتنا شِيَعًا فأصبحنا غثاءً كغثاء السيل، نركض وراء زَبَدٍ أردنا له المكوث وتركنا ما ينفعنا يذهب جُفاءً، في صورة يندى لها الجبين، وقطيعةٍ هي الأسوأ منذ سنين، وكأنَّ مُفردات الجاهلية أبتْ إلا أنْ تعيشَ وتحيا من جديد، وكأنه التاريخ الذي جمع بني هاشم وبني عبد المطلب وبني عبد مناف بحصار قريش لهم في شُعَبِ أبي طالب فلا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفرضُ نفسه بشاكلة جديدة وفي عصر جديد وبعنوان جديد: مقاطعة قطر، لأُعلن من تدوينتي هذه أنني متضامنٌ مع قطر، ولكنّني أترك التنقيب عن خفايا المقاطعة والحصار لأهل الاختصاص، ولأحدثكم عمَّا يُحرِّقُ قلوب كثيرٍ من الشباب في أيامنا هذه.

أعلمُ جيِّدًا أنَّ موسيقى العنوان تأخذُكَ إلى سورة القيامة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كُلَّما نزل عليه جبريل بالقرآن عَجِلَ بالتكلُّم به مِن حُبِّه إياه، فجاءه جبريلُ مُبلِّغًا: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)، فإنَّ الفهم وتحقيق الغاية أتمُّ للحفظ، وأبْلغُ للتبليغ، ولكنَّنا بطَبْعنا نُحبُّ العَاجلة، فترى كثيرًا من الشباب تتلوَّعُ قلوبُهم أملًا أن تُشاطرَهم رفيقةُ الرُّوح والنصفُ الآخر أوقاتَهم، فمنهم من يتمنى قُربَها في سَرَحاتِه، ومنهم من يتمنى طبقًا شهيّا من صنعِ يَدَيْها، بل ووصَلَ بعضهم ليخاطِب "حماته" الافتراضية مستقبلًا، مُبشِّرًا إيّاها بجميلِ ما هُو قادمٌ ومقبلٌ عليها، خاطِبًا وُدَّها قاصدًا عطْفَها، صِهْرُها الجهبذ-بكل تواضع-، لِتبوحَ مشاعره بجميلِ صبرِه وعظيمِ شَوْقه توَّاقًا لِتَطأَ قَدمُه القفص الذهبيّ، مُتحسِّرًا على سنين راحتْ في عزوبية سئِمَها كما سَئِمته، ليكتويَ القلبُ بحُرقة الشَّوْق مُسْتَعجلًا رباط قلبَيْن قد باعدتْ بينهما أقدارٌ وظروف -كما يظنُّ ويدَّعي-.

بعيدًا عن الزواج والحاجة للشريك، فإنْ كنتَ كاتبًا فلا تتوقفْ عند حدودِ مقالاتٍ أو بِضع منشورات، بل اجعل نظركَ نحو كتابٍ تؤلٍّفه أو روايةٍ تُبدع في نسج خيوطها، فتحجزَ مكانًا بين أصحاب القلم، وإنْ كنتَ رياضيًا فلم لا تصبحُ من النجوم؟

كأيِّ شابٍّ آخر، بالطبع قد راودتني كلُّ تلك الأمنيات والأحلام، وربما بلوغي السادسة والعشرين من العمر يُعدُّ عَجَلةَ دفْعٍ نحو رباطٍ قلبيٍّ يضمنُ للعاطفة استقرارها، ويضمنُ للجوارح وقارها، ولكنَّكَ حين تحظى بتجربةٍ مختلفةٍ في حياتك مقارنةً بأبناء سنِّك فإنَّ ذلك بالتأكيد سينعكسُ على قراراتِكَ وطموحاتِكَ وأحلامِك، وأولى التأثيرات ستظهر جليَّةً على سُلَّم أولوياتك، فترتفِعُ درجاتٌ وتنخفِضُ أخرى، وكلُّ تلكَ النظريات والتخيُّلات تفنى في لحظةِ حوارٍ مع النفس، مع داخلك، مع ذلك الصوتِ في جوفك، مخاطبًا إيَّاك: لا تُحَرِّقْ بِه فُؤَادَكَ لِتَعْجلَ به! نعم؛ ولِمَ العجلة؟ تُحاولُ إنكارَ ذلك الصوت، وربما تجعلُ أصابعك في أُذَنيك، ولكنْ دون جدوى، فعدوى ذلك الصوتِ انتقلتْ لكلِّ جزءٍ فيك، وآن لكَ أن تسْتِمعَ له وتُصْغي، وآنَ لكَ أنْ تتخلَّص من تلك الصورة النمطيّة بأنَّه مفروضٌ عليك إيجادُ نِصفك الآخر في هذه السِّنّ، وأنْ تتخلَّى عن آراء المجتمع التقليديّة بهذا الشأن، أنْ تنظرَ لحياتك من منظورٍ آخَر، أنْ تُعْطيَها نَفَسًا جديدًا، أنْ تتفرَّغَ لنفسِكَ قبل كلُّ شيء.

أعلمُ جيِّدًا أنَّكَ ستعدد ليَ الآن منافع الارتباط على القلب والعقل وعلى الجسد، ولعلّكَ تسْردُ لي حديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)، ولكنَّ حقيقة هذا الحديث لا تدعوك للاستعجال في الزواج، ولا تفرضُ عليك في ذلك -العجلة- شرطًا أو قيد، بلْ لبيان أنَّ الزواج لا بُدَّ لهُ مِن مُؤنَةٍ وكِفاية، فإنْ ألحَّتْ عليكَ نفسُك ولم تجد تلك الباءة، فعليكَ بالصوم، لما له من أثرٍ في غضِّ البصر وإضعاف الشهوة، وأنا أقول لكَ قياسًا على ذلك، عليكَ بالطموح، عليك بتحقيق ذاتك، أنْ تبحثَ عن سُبُل نجاحاتك، فليستْ مُتعةُ الحياة تتلخصُّ في إيجاد الشريك المناسب فحسب، بل إنَّ إيجاد الظروف المناسبة لذلك الشريك أولى وأَحفظُ له ولك ولحياتكما، والمتعة بل الهدف الأسمى أنْ تَجِدَ نفسَكَ أولًا.

ليسَ حديثًا يُفترى أنَّ للاختلاط في الجامعات ولقصص الحبِّ والتعلُّق القلبيِّ ومُخرجات الأفلام والمُسلسلات الرومانسية دورٌ كبيرٌ في إحداث هذه الحُرقة في القلب، وكذلك فإنَّ حاجَتَنا إلى الجنس الآخر حاجةٌ فطرية لا يُمكنُ إنكارُها، ولا إلغاؤها ولا تعطيلُها، ولكنْ بالمقابل نستطيعُ تهذيبَها، ومزاحمتَها بما لا يجعلُ منها شُغلنا الشاغل في هذه السَّن، فلو نظرنا للحياة بمفهومها الواسع، لوجدنا فيها أُطُرًا وميادين مُختلفة لتحقيق الذات وإشباع رغبات مختلفة..

بعيدًا عن الزواج والحاجة للشريك، فإنْ كنتَ كاتبًا فلا تتوقفْ عند حدودِ مقالاتٍ أو بِضع منشورات، بل اجعل نظركَ نحو كتابٍ تؤلٍّفه أو روايةٍ تُبدع في نسج خيوطها، فتحجزَ مكانًا بين أصحاب القلم، وإنْ كنتَ رياضيًا فلم لا تصبحُ من النجوم؟ وإنْ كنتَ رسامًا فلم لا تُنشئُ معرضك الأول الخاص بأعمالك؟ وإنْ كنتَ إعلاميّا فلم لا تَصِلُ لكبرى الفضائيات؟ وإنْ كنتَ أكاديميّا فلم لا تُصبحُ مُلهمًا باحثًا مُخترِعًا؟ إيّاك أن ترهق قلبك في إطارٍ وحيد فتستنزفَ ما فيه منْ طاقةٍ وعنفوان مُوهمًا إيّاه أنَّ الزواج هو أسمى أهداف الحياة، وأنَّ إيجاد الشريك هي أولى أولوياته.

لا شكَّ أنَّ الحُبَّ وتبادل المشاعر أمرٌ نبيل وجميل، ولكنْ في إطاره الصحيح الذي يضمن له الاستمرارية والبقاء، لا الذي يورِّثُ قناعةً بالعجزِ والتوقف عند مُفترقِ طُرقٍ.

أفكرُ كثيرًا وأقول: قد أقولُ ما قلتُ كوني ما زلتُ طالبًا وهناك ما يملؤ وقتي بشكلٍ أو بآخر، ولو أنني أنهيتُ تعليميَ الجامعيَّ لقلتُ غير ذلك، ولكنّني حين أمعنُ التفكير أكثر أقول: كان باستطاعتي في مرحلةٍ معينة أنْ أتوقف عند حدٍّ مُعين، وأبحث لنفسي عن عمل يُدرُّ عليَّ مالًا يكفي لبدء حياةٍ هدفُها إيجادُ شريكٍ واستقرارٍ عاطفيّ، ولكنّني حتى الآن أرفضُ التقوقع في هذه الدائرة، وأفضل خوض غمار تجربة تحقيق الذات بكل صعوباتها ومشقَّاتها، فتجاربُ الحياة أثبتتْ لي أنَّ كلَّ تعلُّقٍ غيرُ مبنيٍّ على أُسس وقواعدَ متينة، لن يفعل إلا أنْ يزيدَ القلبَ همّا، ويُثْقلَ الجسدَ حِمْلًا.

لا شكَّ أنَّ الحُبَّ وتبادل المشاعر أمرٌ نبيل وجميل، ولكنْ في إطاره الصحيح الذي يضمن له الاستمرارية والبقاء، لا الذي يورِّثُ قناعةً بالعجزِ والتوقف عند مُفترقِ طُرقٍ بعد أنْ عِشتَ تَجربةً جامحةً ومغامرةً سرعان ما انتهتْ بالحزن والحسرة لنقص الإمدادات والعجز عن الإتيان بالوعود.

لِتَعْلَمْ أنَّ جمالَ الأمور في تمامِها، ولذَّةَ الأشياء في دوامها، فلا تُعلِّق نفسكَ بما ضاعَ منك، وتشبَّثْ بما تستطيعُ تحقيقَهُ تكنْ أسعدَ النّاس.