فصل فيما بين القرآن و الإعجاز العلمي من انفصال

blogs - quran
لطالما صُدحت آذاننا بما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن، وأصبح تيارا له تابعيه ومؤيديه ومنظريه من المسلمين، ولطالما يعتلي المنابر ثلة من القوم الذين درسوا بضعا من علوم المادة ليتركوا أفواه الناس فاغرة مندهشة من الإعجاز العلمي العظيم في القرآن! وفي المقابل يلقى هذا التيار انتقادا لاذغا من لدن غير المسلمين المتخصصين في فلسفة العلوم وأيضا من المسلمين أنفسهم.

الإعجاز العددي، كروية الأرض، نواة الذرة، سرعة الضوء وغير ذلك من المواضيع التي ما فتئ مدعو الإعجاز العلمي في القرآن يطعمون بها تلك الأفواه التي تتعطش إلى نصرة الدين وإعلائه والبرهنة على أنه الحق، تلك المواضيع التي تخلق جدالا واسعا وسط الفئة التي تتخصص في علوم المادة، وأحيانا يجعل أولئك النوابغ أنفسهم محل سخرية كبيرة بسبب منهجهم العلمي الذي نهجوه… 

لكن بداية ما تعريف العلم؟ لن نتحدث ههنا عن العلوم الشرعية، بل نشير إلى العلوم الطبيعية التي يركن إليها أصحاب الإعجاز العلمي، وعليه فإن العلم (الطبيعي) بشكل جد مبسط هو مجموع المعارف التي تبنى عبر التجربة أو الاستقراء التي تتطور عبر الزمكان (غير ثابتة) جراء هاجس الإنسان نحو الاكتشاف، ومن هنا فإن علم المادة يمكن وصفه بالسائل غير الصلب وغير الثابت، وكما نعلم، فإن القرآن الكريم يختص بثلاث خاصيات: الربوبية أنه من عند الله عز وجل وليس افتراء من لدن بشر، ثم العالمية أي مصدر الشريعة ومنهاج المسلمين نحو العالمين كافة، وأخيرا الشمولية، أي أنه صالح لكل زمان ولكل مكان وليس منحصرا وخاصا بأحقاف دون غيرهم ولا بمكان دون آخر.

في الإسلام كروية الأرض أو سطحية الأرض أو مربعية الأرض هو حكم عادي لا يؤثر على إيمان المسلم ولسنا مكلفين نحن معشر المسلمين بالتلسيم لها.

وعندما يأتي صاحب الإعجاز ليربط اكتشافا علميا أو نظرية علمية فإنه يسقط الخاصية الثالثة للقرآن: الشمولية نظرا لنسبية العلم أو ما يسمى في الإبستمولوجيا بصلاحية العلم (The scientific validity)، معناه أن أي قانون علمي فهو ليس بالمطلق وله حيز زمكاني يحصره وإلا سقط ذاك القانون، المثال الكلاسيكي الذي يعرفه الجميع هي قوانين نيوتن، قبل بداية تطبيق تلك القوانين يجب أن يكون الجسم المدروس منسوبا إلى معلم غاليلي، أو مثال نماذج الذرة فكل نموذج له ثغرات، بدءا من نموذج دالتون (John Dalton) مرورا بنموذح شرودنغر (Erwin Schrödinger) ما يطلق عليه بالسحابة الإلكترونية… وما يجب أن يضعه في الحسبان صاحب الإعجاز العلمي أن تلك النظرية التي يبني عليها اكتشافه العلمي هي مجرد نمودج وليست هي الحقيقة.

حسنا ماذا عن كروية الأرض؟ كروية الأرض (the spherical earth) أو سطحية الأرض (the flat earth) نظريتان لهما جذور قوية في التاريخ وكل فريق من غير المسلمين والمحسوبين على العلماء له حججه الداعمة له والناقضة للآخر، لكن في الإسلام كروية الأرض أو سطحية الأرض أو مربعية الأرض هو حكم عادي لا يؤثر على إيمان المسلم ولسنا مكلفين –نحن معشر المسلمين- بالتلسيم لها، كمثال وجود كائنات فضائية من عدمه، أما عن القوانين التي تثبت بالتجربة ولها تطبيقاتها في مجال الهندسة والتكنولوجيا ليس لها علاقة بالنظريتين، والآيات الكريمة التي تصف شكل الأرض تحتاج إلى تدبر عميق لا إلى تأويل للظاهر.

يسيء أصحاب الإعجاز العلمي  للإسلام أكثر مما يحسنون إليه، فمحاولة أسلمة الناس عبر إظهار إعجاز مشبوه في القرآن مغامرة خطيرة ولم تكن منهاجا للدعوة.

لا ننكر أن القرآن يحتوي على حقائق (سنن) كسنة الخلق التي وصفها الله عز وجل بالتدقيق في بداية سورة المومنون: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ"، وهي سنة لن يختلف فيها العالم المسلم والعالم الكافر رغم بعض المحاولات اليائسة لتفنيدها من طرف بعض المراهقين.

يسيء أصحاب الإعجاز العلمي إلى الإسلام أكثر مما يحسنون إليه، فمحاولة أسلمة الناس عبر إظهار إعجاز مشبوه في القرآن مغامرة خطيرة ولم تكن منهاج النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الدين، فالناس يجب أن يصوموا رمضان، أو أن يطوفوا البيت الحرام عند الحج، أو أن يصلوا لأن الله أمرهم بذلك وليس لوجود حكمة وإعجاز فذلك يمكن أن يكون تحصيل حاصل.