رمضان والتدين الاستهلاكي

مدونات - السوق

أصبح الاستهلاك ظاهرة شاملة تخترق الإنسان المسلم المعاصر في كل مجالات حياته ورؤيته لذاته ولطبيعة العلاقات والتفاعلات مع الآخرين، بشكل تحول معه الإفراط في الاستهلاك من المجال الاقتصادي إلى نمط ثقافي وقيمي يخترق التدين ويحوله إلى نموذج "استهلاكي سائل" فاقد للمعنى، مسلم في الشكل والمظهر لكنه مادي الرؤية والنموذج، بل مجرد كائن اقتصادي مستهلك لا يحمل أية قضية أو رسالة أو مرجعية، فهو مادة استعمالية خادمة للقوى العولمية وللشركات العالمية، وقابل للتوظيف الإعلامي والثقافي والاقتصادي والسياسي بغرض تعظيم اللذة فقط والإسهام في ضخ الأرباح للرأسمالية المتوحشة والإعلام المهيمن، والإشهار المستمر في التلاعب بالعقول وخلق الرغبات الاستهلاكية وصناعة الأذواق لدى المتلقي والمستهلك.

وهكذا يسهم الإعلام والإشهار ومنطق السوق في برمجة المتلقي/المستهلك، وتحويل الاستهلاك إلى قيمة مطلقة في ذاته دون أي مبرر شرعي أو فطري أو وظيفي، ضد الحاجيات الحقيقية للإنسان وإنسانية الإنسان، وذلك يعود لكون الاستهلاك يرتكز على فكرة التغير المستمر وموضة التجريب الدائم، لينتج في الأخير ما سماه روجي غارودي ألوهية السوق. 

ولا يخرج شهر رمضان عن هذا السياق الاستهلاكي العام الذي انغمس فيه المسلم المعاصر معرفيا واجتماعيا وقيميا، حيث تحول "رمضان" في الممارسة الاجتماعية الإسلامية إلى حالة اجتماعية وثقافية قصوى لتمثل هذه السيولة الاستهلاكية والتكلف الاجتماعي والإرهاق المادي للأسر، في تناقض صارخ مع كل القيم التحررية والتحريرية والتكافلية والروحية التي شُرع من أجلها الصوم فلسفة ومقصدا وتزكية، وتغييب لفلسفة الإسلام الكونية المستندة إلى نقد قيم الأنانية والفردانية والمادية والاستهلاكية وتفكيك القيم السلبية والانحطاطية في تفكير المسلمين وسلوكاتهم.

لا يمكن بناء النهضة المنشودة دون الثورة ضد موجة التطلعات المتزايدة وآثارها الثقافية والقيمية المدمرة، وعلى ما خلفته الحداثة الداروينية من صراع وتفكك واستهلاك جنوني، بإطلاق ثورة تبتدئ بتحرير الذات والفكر من هذا الاستعمار النفسي.

وهكذا يمكننا فهم منطق الإفراط "الاستهلاكي" والهوس به إلى الفهم السطحي للدين، وتراجع الأبعاد المقاصدية والحضارية للصوم وغيره من قيم الإسلام في واقع المسلمين، مع السقوط المعرفي والأخلاقي والثقافي في حالة من الاستغراق في النموذج الاستهلاكي الرأسمالي والسقوط في نسقه الذي يعد جوهر العلمانية الشاملة وهو الأمر الأخطر، لأنه شكل من الاختراق العلماني العميق والصامت الذي لا يتعايش مع نمط من التدين "الناعم" و"الرخو" و"السائل" الذي قد يمارس الشعائر الدينية شكليا..

لكنها لا تؤدي إلى نمط من النباهة الاجتماعية والحضارية، إذ تجعل هذه الممارسات الشكلية الهدف من الوجود في الأرض ليس البحث عن الحق والخير والجمال أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تحقيق العبودية والاستخلاف في الأرض بالمعنى الحضاري الشامل والمتكامل، أو عمارة الأرض وإصلاحها بما ينفع الناس، وإنما إدخال الإنسان في حلقة الإنتاج والاستهلاك المفرغة، فينتج ليستهلك ويستهلك لينتج، بل تتحول الوسائل في سياق الحداثة المنفصلة عن القيمة إلى غايات بتعبير المسيري. وهكذا يفقد التدين الاستهلاكي أي قدرة على التساؤل الفلسفي أو الأخلاقي أو الرسالي، بسبب اختراق المنظومة المادية لأحلامه وأوهامه ورغباته دون وعي منه لدلالاتها الاجتماعية والأخلاقية، فتصبح توجِّه وتحدِّد أولوياته.

إن الحاجة ملحة لإطلاق ثورة مدفوعة برؤية إنسانية مؤمنة متجاوزة للواقع، ذات أبعاد فكرية وقيمية ونماذجية ضد هذه الموجة الكاسحة من الاستهلاكية الاستعمارية الجديدة، تدشن لدورة جديدة في مسارات النهضة والإصلاح، مقاومة هذه السلط المقدسة الجديدة التي تغتصب العقول وتحتل النفوس، وتسعى لقتل إنسانية الإنسان وتفكيك القيم وإفقاد المعنى، وتحويله إلى مادة استعمالية.

فلا يمكن بناء النهضة المنشودة دون الثورة ضد موجة التطلعات المتزايدة وآثارها الثقافية والقيمية المدمرة، وعلى ما خلفته الحداثة الداروينية من صراع وتفكك واستهلاك جنوني، بإطلاق ثورة تبتدئ بتحرير الذات والفكر من هذا الاستعمار النفسي وخوض معركة لتحرير الإنسان وإرادته وتكريمه، بهدف تفعيل رساليته في الوجود واستخلافه في الأرض واسترجاع إنسانيته ذات الأبعاد المتعددة والمركبة، باعتباره صاحب هوية وحاملا لقيم النهضة والتحرر، وتبني الإسلام كرؤية للكون بمرجعية إنسانية منفتحة.