رحيل السيسي.. قد يكون ممكناً

مدونات - السيسي
مصر تعيش هذه الأيام مرحلة من أسوأ مراحلها التاريخية بعد أن كانت علي رأس الدول بعد الثورة وحتي ما قبل الثورة كان يحكمها فاسدون أذكياء حافظت مصر على مكانتها في حكمهم. فثمة عدة متغيرات طفت علي السطح في الآونة الأخيرة إذا وضعت بجوار بعضها قد تكمل الصورة لمن يبحث لرؤية في المشهد الحالي، مؤخرا يجد المتابع للداخل المصري عدت تضاربات من داخل الدولة ذاتها فتجد البرلمان الذي صنع علي أعين وأيد الأجهزة الأمنية متخبط من داخله في التأييد والرفض لقضية الجزيرتين المتضارب عليها، فالواضح للعيان أن الدولة في حالة من الانهيار المتصاعد للسطح في الناحية الاقتصادية بعد تعويم الجنيه والفشل السياسي علي الصعيد الداخلي والخارجي، نقف هنا قليلا لتوضيح ما يحدث في مصر:

الوضع الإقليمي 
السياسة الخارجية للنظام المصري بعد الانقلاب في مصر تتحول وتتغير بشكل دوري من حين لآخر علي حسب معطيات كل مرحلة، فإن النظام من شدة حاجته للمال للبقاء علي رأس السلطة يبيع الجيش المصري عبر المساومة بجنوده للحرب بالوكالة نيابة عن الغير لمن يدفع، فتارة يتوجه غرباً في تجاه ليبيا سرا ليشارك حفتر في القضاء علي الثورة الليبية في الداخل عبر عدة ضربات لا يعلن عنها، إلا أنه مؤخرا شارك بشكل علني في ضربات مباشرة والتي تحدث السيسي عبر شاشات التلفاز في أنه أصدر تعليمات لضرب درنة الليبية بذريعة أن منفذي تفجير أتوبيس خاص بمسيحين في صعيد مصر والتي تبعد عن ليبيا ٦٠٠ كيلو، سمح النظام أيضا لطائرات روسية تقيم في قواعد عسكرية في مطروح غرب مصر وهي الحدود المجاورة للجارة ليبيا لتنفيذ ضربات عسكرية في الداخل الليبي.

اللاعب الأساسي الذي يتلاعب دوما بالدولة وهو جهاز الأمن الوطني يحاول بشتى الطرق امتلاك زمام الأمور ويرى أنه له الأحقية في إدارة شؤون الدولة في شتى النواحي وذلك باعتبار أنه يمتلك الأوراق الأساسية للمعارضين السياسيين ويمكنه بكل سهولة أن يلعب بهذه الورقة.

وتارة أخري يتجه نحو اليمن كما تحدثت مصادر منذ فترات عن المشاركة بجانب الحوثي ضد الثورة في اليمن والمدعوم من إيران وحزب الله، كما شوهدت وانتشرت علي شبكات التواصل عدة صور وفيديوهات لقذائف هاون من إنتاج المصانع الحربية المصرية في سوريا بيد نظام بشار، السودان في جنوب مصر والجارة ذات الحدود الأطول مع مصر لم تسلم هي الأخرى من مناوشات وتدخلات السيسي في إقليم دارفور، حيث أعلن عمر البشير الرئيس السوداني بنفسه عن مصادرة الجيش السوداني لمدرعات تابعة للجيش المصري في دارفور.

 وكعادة الأنظمة العسكرية على مر العصور السابقة مع قطاع غزة في تضييق الحصار.. فإن السيسي يتفوق علي غيره في إخلاص التضييق على القطاع أكثر وأكثر وهدم الأنفاق التجارية التي تعتبر هي المتنفس الوحيد للقطاع، وذلك تزامن مؤخرا مع زيارة ترمب للشرق الأوسط وإخلاء المنطقة الحدودية مع رفح المصرية وتوقع المقاومة الفلسطينية لنشوب حرب قريبا علي القطاع..

كل هذه المجريات والتتبعات تحدث بمنعطف سريع جدا مع الأزمة الخليجية مؤخرا ووقوف مصر في تحالف المقاطعة ضد دولة قطر.

البيت الداخلي للنظام 
ظهر مجددا للسطح رموز عسكرية محسوبة علي حسني مبارك واستضافة وسائل إعلام تابعة للنظام مؤخراً أحمد شفيق المرشح الرئاسي السابق والممثل الحقيقي للثورة المضادة آنذاك للحديث عن مشروعية الدولة في بيع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ويوحي ذلك بأن النظام بمؤسساته ليست على قلب رجل واحد، هذا ظهر جليا في تضاربات لرجال وأجنحة النظام الإعلامية وإحالة البعض للتقاعد بالتهديد بالسجن، كما حدث مع توفيق عكاشة وإبراهيم عيسي ومحمود سعد من قبلهم وغيرهم وهم أركان أساسية لانقلاب الثالث من يوليو.

الأجهزة الأمنية التابعة للنظام أصبحت في تضارب من داخلها بعد الانقلاب مباشرة وذلك لأن السيسي في الأصل هو ابن المخابرات الحربية ويحاول جاهدا السيطرة علي الدولة بمقاليدها، والمخابرات العامة لعبت دورا أساسيا أيضا إذ أنها أحد الأجنحة الخارجية في ترتيب أوراق الانقلاب في الخارج، أما اللاعب الأساسي الذي يتلاعب دوما بالدولة وهو جهاز الأمن الوطني يحاول بشتى الطرق امتلاك زمام الأمور ويرى أنه له الأحقية في إدارة شؤون الدولة في شتى النواحي وذلك باعتبار أنه يمتلك الأوراق الأساسية للمعارضين السياسيين ويمكنه بكل سهولة أن يلعب بهذه الورقة وقتما وكيفما يشاء وهو الجهة التنفيذية صاحبة القرار في عمليات الاغتيالات الميدانية والسياسية التي تحدث للمعارضين من حين لآخر.

هذه الأجهزة السيادية تجمعها شبكات تواصل ببعضها البعض عبر رجالها المنسقين وكل منهم يمتلك أجنحة وأذرع إعلامية لها القدرة علي تهييج الرأي العام وتوجيهه حسب المزاج العام لكل جهاز، ورجال الأعمال أصحاب المصالح لهم أيضا مصالح شخصية يمكنهم من خلالها التقرب من النظام أو الضغط عليه عن طريق هذه الأذرع لتنفيذ ما يريد صاحب المال والذي يتبع لأحد الأجهزة السيادية. 

هذه التطورات قد تضعنا في إطار مبدأي أن هذا النظام إن استمر في السقوط للهاوية بنفس السرعة فلن يطول مدة بقائه في الحكم وهذا الفضل يرجع لغبائه أولا وأخيرا ليس لأحد أو كيان فضل في هذا.

البيت الداخلي في مصر وهو عامل هام في وضع الاستقرار ليس مرتبا وعلى غرار هذه التخبطات يفسر لك التضارب الإعلامي بين أجنحة النظام كما يوضح لماذا الأحكام القضائية متضاربة في الآونة الأخيرة، ويفسر أيضا التضارب الأمني في التعامل مع ملف الجزيرتين حيث صرح وبشكل رسمي أحد قيادات المخابرات العامة أن الجزيرتين في الأساس هما مصريتان وعلى نهجه سار رجاله في الإعلام والساسة التابعين لهم، هذا على عكس ما يريد السيسي وأركانه المؤيدة له. 

تحول الصراع في الثالث من يوليو بين الإخوان والدولة العميقة التي كان يرأسها السيسي إلى صراع داخلي – داخلي بين أدوات الدولة نفسها، السيسي يبحث لتوطين أركانه ورجاله في كل أركان الدولة واستقصاء الآخر الذي شاركه في صناعة الانقلاب.. والأطراف الأخرى، وعلى رأسهم رجال مبارك توجه الرسالة للسيسي بأنك بغيرنا لم تكن في مكانك وقادرون على "خلخلة" نظامك فيجب أن نربح كما ربحت أنت وجنودك.. وهذا يبدو في العقلية العسكرية غير مرحب به.

هذه التطورات قد تضعنا في إطار مبدأي أن هذا النظام إن استمر في السقوط للهاوية بنفس السرعة فلن يطول مدة بقائه في الحكم وهذا الفضل يرجع لغبائه أولا وأخيرا ليس لأحد أو كيان فضل في هذا، وهو ما سيفرض علي الجميع شكل آخر في ما بعد السقوط كما سقط مبارك وجاء بعده المجلس العسكري، ولم يتمكن أحد من تغير المعادلة وقيادتها أو تحريك المشهد كما يجب أن يكون لائقاً بمشهد ثوري.