دأب المهزوم.. التاريخ يعيد نفسه

blogs - الثورة
لقد كثرت الأخبار وثارت الأفكار حول معسكر الأحزاب وخيوط الكيْد العربي، لكنّ التآمر على جسد الأمة ليس ببدعة ابتدعها المتأخرون، ولا هم بأول من جاهر بمنكر التآمر مع الأعداء، بل ذاك كان دأب الأولين المنهزمين، وبلاءهم الذي لم يستتروا منه، فها هي صفحات التاريخ تتقيأهم على ما سوّدوها وقبّحوها، وتفضح خياناتهم وفظاعاتهم وتحفظ أسماءهم في باب الُمنكَرين.

لو عدنا إلى الماضي لوجدنا نفس القصص والمكائد، فها هم الولاة خلال فترات احتضار الدولة العباسية، ظهرت فيهم فرق حاكمة خارجة على أعراف الحكم ودين الخلفاء كالقرامطة والحشاشين والفاطميين، على أن أعظمهم أثرا وأشدهم وطأة كان على يد الدولة الفاطمية التي ظهرت في أواخر حكم العباسيين في المغرب العربي وامتدت إلى مصر وأجزاء من الشام.

العلل التي يعتل بها الجسد العربي من تفكك وتبعية ما هي إلا طبائع الحكم المهزوم الواقع في وحل التخلف والتأخر، الحكم الضعيف المتملق للقوي، الساعي إلى تقبيل يده في سبيل صون مصالحه. وما هي إلا انعكاس للاستبداد السياسي الذي يلوّح بمنجله فوق رؤوس الأنام.

لقد كانت الأمة الإسلامية وقتها غارقة في التشرذم والخلافات واللهاث اللامتناهي خلف السلطة، حتى وصل بهم الأمر للتحالف مع النصارى ضد الولاة المسلمين، ففي حين كانت الحملات الصليبية تدمي جسد الدويلات الإسلامية وتبتر أطرافها في بلاد الشام، كان الحكام الفاطميون يبعثون للنصارى برسائل التهنئة على انتصاراتهم، بل وعقدوا معهم اتفاقات على اقتسام المناطق التي يدخلونها. وبقوا في تخاذل إلى أن سقطت القدس وسفكت دماء أهلها بعدما تخاذلوا عن نصرتهم حين بعثوا لهم يطلبون العون. واستمروا في نهجهم هذا فاغتالوا القائد المسلم عماد الدين زنكي، وحاربوا ابنه نور الدين زنكي. ويذكر أن أحد وزراء الفاطميين ويدعى “شاور” قام بعقد صفقة مالية مع النصارى بقيمة مليون دينار، مقابل ألا يدخلوا مصر وأن يمنعوا نور الدين عنها!

ولم يكن الفاطميون وحدهم من يفت في عضد الدولة الإسلامية، بل اندلع الخلاف والتآمر بين الحكام الذين صاروا يعلنون أنفسهم ولاة على مدائنهم. وامتدت الخيانة إلى الحكام الأيوبيين حين قام أحد الحكام ويدعى “الكامل” حين طلب من النصارى أن يحاربوا إخوته في الحكم ويولوه عليهم مقابل أن يعطيهم القدس! وليس وحده من ساوم عليها، فبعد ما يقارب العشر سنوات في عام ٦٣٧هـ قام كل من حاكم القدس وحاكم دمشق بالاتفاق مع النصارى على إعانتهم على حاكم مصر الملك الصالح نجم الدين مقابل أن يسلموا القدس، ووافقوا وسُلّمت القدس للصليبيين بالخيانة.

إن سطور التاريخ لمليئة بمثل هذا القبح، وما أشبه اليوم بالغد. لا شك بأن المعطيات والسياقات مختلفة، لكنها الأسباب والوسائل نفسها: استعانة بالعدو من أجل السلطة، تآمر على الأقرباء، تسليم المقدسات، صفقات مالية واتفاقات سرية.

لا بد لنا أن نرى حاضرنا بعين بصيرة، ونحلل واقعنا بفكر مُدرك. فالعلل التي يعتل بها الجسد العربي اليوم من تفكك وتبعية ما هي إلا طبائع الحكم المهزوم الواقع في وحل التخلف والتأخر، الحكم الضعيف المتملق للقوي، الساعي إلى تقبيل يده في سبيل صون مصالحه. وما هي إلا انعكاس للاستبداد السياسي الذي يلوّح بمنجله فوق رؤوس الأنام.

ولابد للشعوب المغيبة أن تعي وتدرك تماما أنها يدٌ في اللعبة وليست حجر النرد، عندها فقط سننهض من براثن التخلف والتأخر، ونلملم أطراف التشرذم والانقسام لنصنع لنا تاريخا مشرفا.

وتنقسم بلادنا العربية في ذلك إلى نوعين، بلاد وقعت تحت وطأة الاستعباد السياسي نتيجة الاستعباد الاقتصادي. تلك البلاد تمتاز أصلا بالفقر الناتج عن الفساد السياسي والسلطة السوداء. فلم يخلفها الاستبداد إلى ضعفا وتخلفا. ودول أخرى لم يخفها المال التي تسبح في آباره بل أخافها هوس السلطة. وجنّ جنونها بعد ما هبت رياح الحرية فوق الشعوب المختنقة، فتهاوى الطغاة واحدا تلو الآخر. الكثير من تلك الحكومات تحاول تكميم الأفواه بالمال، وتحيك المكائد والمصائب لداعمي الثورات. تلك هي الدول التي قد تفعل أي شيء لتحافظ على سلطتها، والتي تتحالف مع أعدائها وتحارب من يحارب العدو الأساس ومن يدعم المقاومة الوحيدة.

إن الرابط بين هذين النوعين من الدول العربية هو الاستبداد السياسي وقمع الحريات. وهي لم تتوانى في إخضاع الشعوب لتبني أيدولوجيتها قسرا ولو كان الشعب كله ضدها، ولم تتردّد في دكّ معارضيها في السجون. لا يعد هذا الحال جديدا على الواقع العربي، لكنه لطالما كان يحدث في الخفاء وخلف الستائر. أما اليوم، فلم تسقط الأقنعة فقط، بل تجلت المجاهرة بالخيانة في أبشع صورها.

إنّ النظرة هذه إلى التاريخ، والتبصّر في أحوال الحاضر هو ما سيجعلنا نفهم ما يجري، وإنّ أي مخرج من كهف التبعية والتخلف لا بد أن يكون أساسه رفض الظلم والفساد الذي تمارسه السلطات على شعوبها. ولابد للشعوب المغيبة أن تعي وتدرك تماما أنها يدٌ في اللعبة وليست حجر النرد، عندها فقط سننهض من براثن التخلف والتأخر، ونلملم أطراف التشرذم والانقسام لنصنع لنا تاريخا مشرفا.