ثمّ أبوك!

مدونات - آباء وأبناء
عاش النّاس في قريتي لا تشغل الأعياد بالهم، يتعبون صيفا وشتاء، إذا صحت، وإذا أمطرت.. قست أيّامهم وتحجّرت، فصارت مثل حصوات في الكلى، موجعة إن هي بقيت، وأشدّ وجعا حين تمضي. لم يكن لي علم بأيّة تواريخ أو "مناسبات" يمكن أن تسمّى أعيادا للآباء، هي تمرّ دائما كالظّلال، لكنّها في السّنوات الأخيرة بدأت تأخذ مكانها بين الأعياد " الإلكترونيّة "، فلا نكاد نجد لها ذكرا خارج الفضاء الأزرق..

اليوم يفاجئني الفيسبوك بغمزة خفيفة وتهنئة بعيد الآباء..
الحقيقة أنّني دائما أستحضر قصّة سيّدنا عيسى بن مريم عليه السلام، وأقول: لماذا اختار الله أن يضرب لنا مثلا نبيّا بدون أب، ولم يختر نبيّا بدون أمّ؟ الإجابة في رأيي، لا تتوقف عند الضرورات الطبيعية للحمل والإنجاب، فخلقه كان معجزة، والمعجزة تستطيع أن تتّخذ أيّ شكل آخر ولا تحتاج إلى تبريرات من عالم الممكن والواقع.. الرّسالة التي فهمتها من ذلك، وتأكّدت لي لاحقا، أنّه يمكن للإنسان أن يعيش بلا أب، لكنه لا يمكن أن يعيش بلا أمّ.. أبدا.

قرأت الكثير عن شخصيّات غامضة في عالم الرّوايات والأساطير، لكنّه كان مختبرا ناطقا لكلّ التّفاعلات المتناقضة.. أحيانا يخيّل إليّ أنّ الأبوّة بالنّسبة إليه كان يعتبرها مهنة كريهة ثقيلة.

تتملّكني الغيرة أحيانا، وأدافع عن صورة الأب أمام بناتي أو أمام تلاميذي، يقول لي أحدهم: "سيّدي: الأمّ تحملك في بطنها تسعة أشهر، فأقول له: والأب يحملك في قلبه وعقله وعينيه عمرا كاملا.." فيصمت، وتغلبه البلاغة، لكنّني أظلّ أرى في عينيه تلك الظلال التي لا تريحني، ظلال الشّكّ والخجل من مجادلتي طويلا في نفس الوقت..

في داخلي تنفجر نافورة من الذّكريات تأتي من أعماق قريتي، هناك حيث كان كثير من الآباء يعتبرون أنّ دورهم في العائلة يتوقّف عند حدّ الإنفاق، لم أر أبي يوما ينزع الشّوكة من رجلي، ولا ينفخ في عيني ليطيّر شائبة عالقة من الغبار.. لم أره يتفقّد غطائي ولا يسأل إن كنت قد تعشّيت أو فرحت أو حزنت أو ضربني ابن الجيران أو شتمني أو ذهبت إلى المدرسة في ذلك اليوم أو لم أذهب.. لم يكن من النّوع الّذي يضحك في وجوهنا أبدا، أو يجلسنا على ركبتيه أو يقرص خدودنا، أو يفاجئنا بأيّ شيء ممّا يفاجئ به الآباء أبناءهم، فيطيرون فرحا، ويقفزون إلى أحضانهم كالقردة الصّغيرة.. حتّى القردة تعرف كيف تفعل ذلك.. لكنّ أبي لم يكن يخلع عن وجهه أبدا ذلك القناع.. قناع الصّرامة الّتي تحوّلت مع الوقت إلى حالة من السّخط، ثمّ التصق ذلك القناع بالجلد وصار جزءا من وجهه..

حين يعود من عمله في منجم الرّصاص، كنّا نبلع أصواتنا ويصير حديثنا همسا، ننزوي في أيّ ركنن بعيد عنه ونصير نلعب بهدوء تامّ كي لا نزعجه.. وحين يجمعنا مكان واحد، كنّا نتصرّف كالكبار، فلا نتكلّم ولا نضحك ولا نتحرّك إلاّ بميزان..

كنّا، ونحن صغار، نشعر أنّه من حسن حظّنا، أنّه لم يكن يطيل البقاء في البيت، فقد كان ينصرف إلى النّوم أو إلى "الحانوت" اليتيم في الدّوّار، يقضي المساء كلّه في لعب "الشّكبّة" و"الرّوندة"، أرسلتني أمّي مرّة لأحضر لها بعض ما تحتاج من الحانوت، ولمّا دخلت، كان جالسا على الحصير وظهره إلى الباب، فلم يتفطّن إليّ.. سمعته يضحك بصوت مجلجل مثل طفل صغير، ويخبط الأوراق على الطّاولة بنشوة وصخب والآخرون يمازحونه بكلام ما كنت أتصوّر أنّ أحدا في الدّنيا يجرؤ على قوله في حضرته.. وقفت ذاهلا لحظات حتّى نبّهه أحد الحاضرين إليّ، فالتفت وقد أربكته المفاجأة، وانقبضت ملامحه فجأة وهو يسألني:

– ماذا تريد؟
ابتلعت ريقي بصعوبة وقلت له متلعثما:
– السّكّر!.. أمّي أرسلتني لأشتري لها السّكّر..
وحين هممت بالمغادرة، استوقفني ووضع في يدي قرطاسا من حلوى "الشّاميّة"، يبدو أنّه ربحه في "طرح الشّكبّه"
عدت إلى البيت وعلى وجهي كثير من علامات الدّهشة والحيرة، وناولت الحاجة لأمّي وأنا أقول كمنن لا يصدّق نفسه:
– وجدت أبي هناك.. لقد رأيته يضحك بأعلى صوته..
نظرت إليّ نظرة من فهم ما يدور في خلدي وقالت:
– أبوك يتعب كثيرا في العمل، ومن حقّه أن يتسلّى قليلا..
صمتّ، وكم كنت أودّ أن أسألها:
– ولماذا لا يتسلّى معنا نحن؟

لمّا كبرت أكثر، فهمت أنّ أبي حالة أخرى مركّبة ومعقّدة وخارجة عن كلّ ما يمكن أن يكون قد درسه علماء النّفس والاجتماع.. قرأت الكثير عن شخصيّات غامضة في عالم الرّوايات والأساطير، لكنّه كان مختبرا ناطقا لكلّ التّفاعلات المتناقضة.. أحيانا يخيّل إليّ أنّ الأبوّة بالنّسبة إليه كان يعتبرها مهنة كريهة ثقيلة، كأنّه اضطرّ إليها اضطرارا، ولمم يكن يمارسها إلاّ بقرف وندامة.. كان يؤمن في قرارة نفسه إيمانا مرضيّا، بأنّ الحياة العائليّة كلّها يجب أن تقوم على الخوف وحده، وليست المحبّة سوى عاهة في النّفوس الرّخوة.. الخوف وحده هو الضّامن للاحترام والمحبّة والطّاعة العمياء، سواء تعلّق الأمر بالأبناء أو بالزّوجة..

أمّي مازالت إلى اليوم، كلّما رأتني أحمل شيئا ثقيلا، سلّة خضر أو قارورة غاز، تقبل عليّ بكلّ إصرار "هاتها.. إنّها ثقيلة عليك.." وتظلّ تنازعني وتتشبث بها كي تنتزعها من يدي.

أمّي كانت بالنسبة إليّ هي يد الله الممدودة دائما بالرّحمة والحياة، أتذكّر أنّني تعلّمت التّدخين في السّجن، وتعلّمت عادةَ أن لا أفطر صباحا، وأتذكّر كيف كانت تركض خلفي كلّ صباح، وفي يدها كأس القهوة وبيضة مسلوقة مقشّرة وهي تتوسّل إليّ "يا ابني.. خذ هذه على الأقلّ.. لا تذهب على ريقك، خذها.. لا تدخّن على الخواء..  

تتبعني نصف الطريق، حتّى تيأس منّي، فتقف لحظات تشيّعني بعينيها، ثمّ تعود حزينة منكسرة.. أمّي مازالت إلى اليوم، كلّما رأتني أحمل شيئا ثقيلا، سلّة خضر أو قارورة غاز، تقبل عليّ بكلّ إصرار "هاتها.. إنّها ثقيلة عليك.." وتظلّ تنازعني وتتشبث بها كي تنتزعها من يدي، وفي ذهنها أنه محرّم عليّ أن أتعب مادامت هي على قيد الحياة.. أتذكّر جدّتي كذلك، كانت هي سقف البيت وجدرانه.. تحرث وتزرع وتحصد وتفضّ النزاعات وتستخرج الأوراق من البلدية وتنازع في المحاكم وتزورنا كلّ خميس في مبيت المعهد الثانوي..

هذه الصور، جعلتني أشعر دائما أنه لا عيد إلاّ للأمّ، لا أجد أيّ معنى في عبارة "عيد الآباء".. إنّها عبارة ثقيلة وعارية وصفيقة، وخالية من أيّ إيحاء أو حميمية.. طبعا أنا أعرف أنّ هذا موقف متطرّف وانفعالي ومبنيّ على تجربة جزئيّة ربّما، ليست جزئية تماما على كل حال، في الواقع حكايات كثيرة تدعمها قليلا أو كثيرا.. أعرف كلّ ذلك، ولكنّها خواطر.. مجرّد خواطر.. أو لعلّها كذلك..  في عيد الآباء.. كلّ عام وأنت بألف خير يا أمّي.. ثمّ أمّي.. ثمّ أمّي.. ثمّ أبي