تلك العاصمية راودتها عن قلبها

blogs امرأة
من الإجحاف أن تختصر امرأةً في ألف كلمة، وقد لا يَفٍي ألفُ كتابٍ بأن أحكيَ عن امرأة واحدة، ثم تتلاشى الأرقام كلها أمام هذه الروح العجيبة التي خلقها الله من آدمَ فكانت جزءًا منه وغَيْرًا له، حار فيها الفلاسفة والشعراء والحكماء وعجَز ألِبَّاءُ الرجال عن فَهْمها، وقال الناس فيما قالوا: إن كلمة واحدة تُرضيها، فهل حقًّا يمكنني أن أُرضيَ تلك الفتاة العاصميَّةَ بكِلْمة واحدة؟ أظنُّها تخاريفَ الرُّواة! أو لعلَّها أساطير العاشقين!

لن أكتُبَ في هذه التدوينة قصيدةً غزليَّة، ولن أتَّبِعَ عمرَ بن أبي ربيعة المخزوميَّ في إفراطه ولا أبا الطيب المتنبِّيَ في تفريطه، هذه الفتاة أجملُ من كل قصيدة أنشَدَها جريرٌ في مَضارِب بني تميم أو ابنُ زيدون في شرفات الزهراء أو نزار قبَّاني في شوارع بيروت، هذه السمراء أمتعُ من كل معزوفة ابتكرها زريابُ ومن كل سمفونيَّةٍ أطربها أندريه ريو.

أقول هذا وأرفض أن أسمِّيَه غَزَلًا، والغَزَلُ تشبيبٌ والتشبيبُ يُراد منه استمالة قلوب النساء، وهذا ما لا أريده قطعًا وقوفًا عند قول شيخنا جرير: "واللهِ لو قلتُ غزلًا لبَكَتْ العجائزُ منه وحَنَّتْ إلى أيام شبابها"، فليس كلامي غزلًا إذَن، إنما هو انبهارٌ حدَّ الخشوع من روعة هذه النَّفْس التي تتراوح بين ليلة قمراءَ ذاتِ سكونٍ، وضًحًى مُشْرِق على صفحة عَليائه قِطَعٌ من السحاب الأبيض الذي يَزيد البهجة، أو عَشيَّةٍ اهتزَّتْ بها الأرض من غيثٍ ليس وابلًا ولا دَثًّا، كأنما هي نفحة من نفحات الطبيعة، ولكنَّ للطبيعة أحوالَها!!

وسبحان من أودعَ في هذا الجسم الضعيف قوةً تكسر جبروت الرجل، وتجعله يتهاوى دون أدنى مقاوَمة تُذْكَر، وفي أثر الأولين: "الرجل التامُّ الرجولة هو الضعيف أمام المرأة التي يحبُّها"، ليس ضَعْفَ خَوَرٍ وإنما ضَعْفَ تمكينٍ.

هي كقول قحيف العجيلي:
إذا رضيتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍ *** لعَمْرُ اللهِ أعجبني رضاها
وإن غضبتْ فكقول ابن الخَطَفَى:
إذا غضِبتْ عليك بنو تميمٍ *** حسِبتَ الناسَ كُلَّهُمُ غِضابَا

تتخاطفني الأحوال حينها، ويبقى الخشوع سيِّدَ المَشاهد القلبية، وكأنَّ عابدًا عكَف متنسِّكًا في مٍحرابه، بل كأن صوفيًّا تمايل من شدَّة الوَجْد طارِقًا لبابِه، يتساءل القلب حين يلقاها: أهي امرأة أم مِرآة؟ هذا الخَلْق العجيب، هذه الأنثى "المعجونة بماء الحُبِّ"، أهي تدري ما تفعل بي؟ أم أفعل بنفسي ما لا تدري؟ أيحِلُّ السؤال؟ وهل أنتظر الجواب؟ في النهاية قد يكون الجوابُ ضِحْكة تفنى معها كلُّ الخَفَقات، وتُنسى كلُّ الخَطَرات، وتحُلُّ مَحلَّها سَكْرة ذلك الذي يشبه الموت، وقد يكون الجوابُ نظرةً تنتهك السيادة الذاتيَّة لعقلك على قلبك، فتعُمُّ الفوضى وتثور المشاعر مُطالِبة بإسقاط نظام العقل المتزمِّت!

هكذا تفعل تلك الفتاة العاصمية، هي نفسُها لم تُدرِك أن الوقوع في شَراك الحبِّ يجُرُّ كلَّ هذه الأزمات الرائعة، أنا كنتُ أتوقَّعُ شيئا من ذلك بحكم أقدميَّتي على سطح هذا الكوكب، وبحُكم أني راودتُّها عن قلبِها فاستعصمتْ وقالت منذ سنتين: يا ربِّ السجن أحبُّ إليَّ من هذا الشاعر الصعلوك! وأي سجنٍ وأنتِ السَّجَّان والجلَّاد والباكي والسَّجين؟!

هذه الفتاة التي تسكن مدينة الجزائر العاصمة لا شكَّ أنَّ ريح الأندلس قد داعبتْها منذ ولادتها، فأمواج البحر تتلاطم وكأنها أصوات السفن تمخُرُ عُبابَهُ محمَّلةً بالموريسكيين المهجَّرين قَسْرًا من وطنهم في الفردوس المفقود، وهل ينسى المهجَّرون عِطْرَ بيوتهم؟ وحاراتهم؟ ففيها من عِطرهم نسماتٌ أندلسيَّة تضمَّختْ بها روحُها فأنعشتْ داعيَ الحبِّ، أجل .. فيها توهُّج الذات الأندلسيَّة التي تعتزُّ بنفسها وتفخَر بها أيَّما فخر، وفيها شوقُ الأندلسيِّ إلى وطنه، وحَنينُهُ إلى بلاده، كنتُ أنا الوطنَ .. ويا لها رَهبة حين تدرك أن روحًا اتخذتْك موطِنًا لها، وهل يسمح الوطن في أبنائه؟! هذا مُحال في العقول، محرَّم في المنقول، وقبل ذلك وبعده قد أدركتُ أن الوطن يحبُّ أبناءه كما يحبُّونه، ولكن من يدري هذا إلا من جرَّب مثل تجربتي!

الحبُّ وحيٌ لا يُنال بالتحصيل، ولا يُدرَك بالتفسير والتأويل، هو رِزقٌ يُمنَح أو يُمنَع، ألم يقل مولانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن السيدة عائشة -عليها السلام-: "إني رُزِقْتُ حُبَّها".

ثُمَّ فيها من نبض آل عثمان تباريحُ، فهم الذين حكموا الجزائر واتخذوا القَصَبة عاصمةً لإيالتهم ثلاثة قرون مُبارَكاتٍ، فيها من نخوتهم وهِمَّتهم ما يبعث على الانبهار، وسبحان من أودعَ في هذا الجسم الضعيف قوةً تكسر جبروت الرجل، وتجعله يتهاوى دون أدنى مقاوَمة تُذْكَر، وفي أثر الأولين: "الرجل التامُّ الرجولة هو الضعيف أمام المرأة التي يحبُّها"، ليس ضَعْفَ خَوَرٍ وإنما ضَعْفَ تمكينٍ، ولو أردتُّ تصوير مفهوم هذا الضعف الذي أعُدُّه منتهى القوة لقلتُ: إنه كالدخان الأبيض الذي نسمِّيه سحابًا ونحسَبُه خفيفًا ولكن القرآن يصفه في عبارة عجيبة هي قول الله -سبحانه-: "ويُنشِئ السَّحابَ الثِّقالَ"، ذاك الذي يبدو ضعيفا هو ثقيل، وهذا القلب الرجوليُّ الذي يبدو ضعيفًا أمام المرأة إنما أخذ بأسباب القوة وتمسَّك بالحبل الوثيق، وما ازداد ضَعفا إلا ازداد قوةً، وهذا المشهد هو منتهى الإعجاز في علاقة الحبِّ الصحيح، أوليس ربُّنا يصف هذه العلاقة بأفخم أسلوب حين يقول: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا"، سبحانك يا ربِّ!

جعل "الحُبَّ" آيةً من آيات وحدانية الله، والآية كما يقول المفسرون هي "المعجزة العظيمة"، فالحبُّ إحدى المُعْجزات الكونيَّة المتعالية عن كلِّ وصفٍ ورَصْف، فأنا حين أرى تلك العاصميَّة أتذكَّر قول مولانا الإمام ابن حزم الذي أحفظه عن ظهر قلب بل عن سويداء قلبي: "الحبُّ -أعزَّك الله- دقَّتْ معانيهِ لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدْرَكُ حقيقتُها إلا بالمعاناة"، إي والله، لا تُدرَك حقيقة معاني الحبِّ ولا يمكن شرحُها لأحد أبدًا، فهي سِرٌّ تهتزُّ له الروح في بهجة كبهجة الغناء ونشوة كنشوة الخمر، وإن سألك أحدهم عن معناها فقل: سامحك الله وامْضِ في سبيلك ولا تلتفِتْ!

هكذا أوحى ليَ ابنُ حزم، والحبُّ وحيٌ لا يُنال بالتحصيل، ولا يُدرَك بالتفسير والتأويل، هو رِزقٌ يُمنَح أو يُمنَع، ألم يقل مولانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن السيدة عائشة -عليها السلام-: "إني رُزِقْتُ حُبَّها"، والحبُّ فخرٌ يعلنه صاحبه ولا يخجل منه، أليس رسول الله حين سُئل عن أحب الناس إليه قال بكل حُبٍّ: "عائشة"، هكذا أحبَّ النبيُّ المقدَّس، وهكذا أحببتُها، وهكذا فليكن الغَرام!