تحت خط الابتزاز..!

blogs شطرنج
في البداية كنا نشاهد ما يعرض على خشبة المسرح، أما الآن فقد أصبحنا نشاهد ما يجري في الكواليس. بالأمس كان الحاكم العربي يخضع لابتزاز الدول الاستعمارية في الغرف المغلقة، على شرط أن يحفظوا له ماء وجهه أمام شعبه. ليس تقديرا لشعبه أو خوفا منه بالطبع. بل خوفا من الظروف التي قد تخذله وتمنح شعبه إمكانية تهديد عرشه. ما دام أنه باق على كرسي العرش ضد رغبة الأكثرية من أبناء هذا الشعب.

أما اليوم فقد رأى السيد الكبير أنه غير ملزم بهذا الشرط، وأن من حقه أن يبتز الحاكم العربي المستبد في الهواء الطلق. مع الاحتفاظ بقليل من البروتوكول السياسي الذي يحفظ ماء وجه السيد نفسه أمام شعبه الحر. وقد جسد ترمب هذه الحالة أوضح تجسيد. فهو منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي وهو يعبر عن ملله من النفاق السياسي لدى الإدارة الأمريكية تجاح دول الخليج العربي. أو بالأصح يعبر عن ضيقه من ذلك المستوى الأنيق من الابتزاز الأمريكي لهذه الدول. وبمجرد أن وصل إلى البيت الأبيض شرع فوراً في تطبيق سياسة "بص شوف، اللعب على المكشوف".

وها هي سياسة اللعب على المكشوف تؤتي ثمارها، وتدفع الحاكم العربي المرتهن تماما للقرار الأمريكي والدوائر الصهيونية إلى الخروج بملابسه الداخلية أمام شعبه، قائلا بلسان حاله: نعم هذا أنا، وهذه حقيقتي، فافعلوا ما بدا لكم. وما الذي بإمكانكم أن تفعلوه يا حسره؟! إن جميع أدوات القوة والقمع في يدي، فعلى أي شيء ستعولون؟، وإلى أي قوة ستلجؤون؟ إلى القوى الاجتماعية؟! أين هي هذه القوى؟، لقد فرمنا بعضها وصفدنا البعض الآخر؛ إلى القوى الإقليمية؟ وهذه أيضاً تقف في صفنا لا في صفكم، فمصالحنا متقاطعة؛ على القوى الدولية؟! يا لسذاجتكم، كأنكم لا تعلمون ما القوى الدولية. تماما مثل كباش العيد التي لا تعلم ما سوق الكباش. أنتم أيها السادة الكباش مجرد بضائع في هذه السوق فلا تأخذكم الأحلام بعيداً.. نعم هذا أنا وسأفعل ما يحلو لي، وما يحفظ مصالحي!

الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية تحديدا هي الحل. وإلا فإن هذه الشعوب ستخسر مستقبلها، وتخسر حريتها وكرامتها، وهي بطبيعتها شعوب تأنف العيش ناقصة الكرامة والحرية.

لقد كانت بعض الأنظمة -في لحظة من اللحظات- مخيرة بين أن تحتمي بشعبها وأمتها لمقاومة الابتزاز والتهديد المبطن الأمريكي، أو تستسلم ذليلة لهذا الابتزاز. وقد اختارت هذا الأخير، لأنها أنظمة مضبوعة. والحمار المضبوع في لغة العرب هو ذلك الذي يهرب من الضبع ويظل يجري ويجري مسافات، ثم من شدة الإرهاق يقرر العودة إلى الضبع -الذي ربما كان قد توقف عن مطاردته- لكي ينهي مخاوفه! هكذا فعلت بعض الأنظمة العربية المضبوعة من أميركا. لقد حاولت في البداية الهرب من الابتزاز الأمريكي، الذي باعها لإيران، فشكلت تحالفات إقليمية ودولية، وبدأت الجماهير العربية تلتف حولها بعد أن كانت ترميها بالجمرات، أملا في صلاحها. لكن الحمار المضبوع لا يستطيع أن يكمل مشواره.

إن الدرس الكبير في كل ما يجري هو درس الديمقراطية. فقد دل الزمان على أنها الحصن الحصين لحماية الشعوب ومصالحها ومكتسباتها. إذ لا يسقط تحت خط الابتزاز إلا الحكومات غير الديمقراطية، أو الحكومات غير العادلة. لأنها حكومات منبتة عن أمتها، ليس لديها رصيد من المحبة الشعبية والتقدير. حكومات تخشى شعوبها أكثر مما تخشى الأجنبي. مع أن هذه الشعوب لديها من سعة القلب والبال ما يعذر حكامها إذا خضعوا أحيانا لبعض الابتزاز، بسبب عجزهم الحقيقي عن مواجهة التآمر الأجنبي.

الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية تحديدا هي الحل. وإلا فإن هذه الشعوب ستخسر مستقبلها، وتخسر حريتها وكرامتها، وهي بطبيعتها شعوب تأنف العيش ناقصة الكرامة والحرية. مما يعني أنها لن تكف عن الثورة والقلق، وفي ذلك ما فيه من ذهاب الاستقرار والتنمية. وليس في إمكان هذه الأنظمة الهشة أن تنتصر على شعوبها طوال الوقت. إن شخصية العربي -كما قال بعض الدارسين- تشبه إلى حد كبير شخصية الروماني والأمريكي، كائن يقدس حريته، إلى حد التمرد على النظام والقانون (بالنسبة للعربي). وسينتظر الحكام طويلاً جداً قبل أن يصبح العربي كائناً أسيوياً، وكوريا، وما شابه ذلك من الشعوب التي تقدس أنظمتها أكثر من حريتها!

الحكام العرب يشعلون النار في خيامهم، وهم يحسبون أن لديهم من المطافي ما يكفي لإخماد الحريق في الوقت المناسب. وهذا جهل بقوانين النار والهواء، وجهل بقوانين السماء أيضاً.