العقيدة العسكرية الجديدة

blogs - السيسي
لو عاد الزمان إلى الوراء قليلاً! وقيل بأن قيادات الجيش المصري ستقف صامتة أمام ضياع جزء من أرض مصر، لظن الناس أن المتكلم قد مسه شيطانٌ أو ضربه الجنون، أما إذا قيل بأن تلك القيادات ستُحارب بكل قوة من أجل سلخ قطعة غالية من لحم الوطن، بل وسيقف بعضهم بكل أريحية مُطالب بالتفريط فيها والتنازل عنها، لربما زُج به في غيابات السجن بتهم الإساءة للمؤسسة العسكرية، لذا فإن ما قد شاهدناه خلال قضية تيران وصنافير، لهو أفجع من كل الكوابيس التي كان يُمكن للمرء أن يتخيلها، خاصة وأن السيادة على تلك الجُزر تمسُ مباشرة شرف العسكرية المصرية، ومحور جُل الحروب بين مصر والعدو الصهيوني، قبل أن يُصبح العدو صديقاً، ثم حليفاً ثم سيداً يأمر فيُطاع.

لم تكن قضية الجزيرتين خلافاً حول ترسيم الحدود بين مصر والمملكة السعودية كما يدعي المدافعون عن التنازل عنهما، وإنما هي أخطر من ذلك بكثير وذلك لسببين رئيسيين، أولهما: أن التفريط في جزيرة تيران سيُنهي سيطرة مصر على المضيق ويفتح الباب أمام إسرائيل في إقامة مشروعات بديلة لقناة السويس، وهو ما سيُكبد مصر خسائر فادحة تقصم ظهر الاقتصاد أكثر مما هو عليه.

تلك المشروعات التي أعلنت عنها صحيفة هآرتس العبرية بعد ساعات من موافقة البرلمان المصري على الاتفاقية بعنوان "خط سكك حديدية جديد قد يكون قناة السويس الإسرائيلية"، ذلك الخط الذي سيوصل ميناء إيلات بالبحر الأحمر، وميناء أشدود بالبحر المتوسط، أو استبدال السكة الحديدة بقناة مائية تقوم بنفس الدور، وهو ما يُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي اقتصادياً وأمنياً.

إن موقف قيادات الجيش المصري في تلك القضية الخطيرة، يوجب على كل وطني يخاف على بلده كسر ذلك السياج الذي نصبه هؤلاء حول كل ما يتعلق بتصرفاتهم ومواقفهم وعقيدتهم العسكرية.

أما السبب الثاني المُخزي والمخجل هو: أن تلك الاتفاقية تعني صراحة أن الجيش المصري خلال صراعه مع الاحتلال الصهيوني كان جيش عدوان، بينما الآخر هو الطرف المدافع عن حقه، وهو ما كتبه رئيس فريق الدفاع القانوني عن الجُزر "خالد علي" مُستنداً على الوثائق التي قدمها للمحاكم التي أقرت بموجبها بمصرية الجُزر قائلاً "لا تمنحوا جيش الكيان الصهيوني شرفاً لا يستحقه، فكل حروب مصر مع اسرائيل كانت بسبب تمسك مصر بمصرية جزيرة تيران.

فقد تقدمت إسرائيل بشكوى ضد مصر في مجلس الأمن عام ١٩٥٣لأن مصر تقوم بتفتيش السفن التي تمر بمضيق تيران، حيث كانت تزعم إسرائيل بأن الجزر ليست مصرية – وبذلك لا يصبح من حقها إجراء ذلك التفتيش -، وتم مناقشة تلك الشكوى عام ١٩٥٤ وقام ممثل مصر بالرد على إسرائيل بأن قواتنا متواجدة على الجزر منذ عام ١٩٠٦، وكذلك كانت موجودة عليها في الحرب العالمية الثانية حتى عام ١٩٥٤، وأن هذه الجزر حصرية مصرية.

ولما فشلت إسرائيل في إدانة مصر، اشتركت في العدوان الثلاثي عليها عام ١٩٥٦، وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرارا بإلزام فرنسا وإسرائيل وإنجلترا بالانسحاب الفوري، انصاعت فرنسا وإنجلترا للقرار، أما إسرائيل فقد رفضت الانسحاب إلا بعد الحصول على حق المرور في المضيق، وقد منحتهم مصر هذا الحق، لكن مصر قامت بإغلاق المضيق في ١٩٦٧، فكانت النكسة، واحتلت اسرائيل تيران وصنافير وسيناء، فقامت حرب الاستنزاف ثم حرب اكتوبر ١٩٧.

هكذا كانت كل حروبنا مع اسرائيل، بسبب تمسكنا بمصرية الجزر، والموافقة على هذه الاتفاقية اليوم يمنح جيش الكيان الصهيوني نصراً أخلاقياً على الجيش المصري لا يستحقه، لأنه يثبت أن إسرائيل كانت على حق عندما كانت تقول أن الجزر غير مصرية، ويصبح جيش إسرائيل في حروبه معنا وكأنه جيش دفاع، وكأن جيشنا هو جيش عدوان، رغم أن العكس هو الصحيح تماما، إن التمسك بمصرية الجزر هو في حقيقته دفاع عن شرف وتاريخ العسكرية المصرية، وعن كبريائنا الوطني، وعن كل جندي ومقاتل مصري حارب هذا الكيان الصهيوني، ودافع عن أرضنا واستقلالنا وحريتنا وكرامتنا، فلا تمنحوا اسرائيل شرفاً لا تستحقه".

إن تلك الاتفاقية تعني صراحة أن الجيش المصري خلال صراعه مع الاحتلال الصهيوني كان جيش عدوان، بينما الآخر هو الطرف المدافع عن حقه!!

ورغم ما سبق، أقدم قادة المؤسسة العسكرية على الاشتراك في جريمة التفريط في الجُزر منذ لحظتها الأولى عندما وافقوا بتنفيذ المشروعات السعودية في سيناء، والتي كانت جزءا من الاتفاقية، وجزءا من ثمن تلك الأرض، وكأنما كان هذا هو مقابل السكوت عن ضياع شرف العسكرية تاريخياً، ولم يخجل وزير الدفاع من وضع اسمه على قائمة الطاعنين في مصرية تيران وصنافير خلال النزاع المُشين داخل أروقة المحاكم بين المصريين والنظام الحاكم بأكمله، ولم يخجل ممثل المؤسسة من الكذب بادعاء أن هذه الأرض لم يسل عليها أي دماء مصرية لتبرير التفريط فيها!

وهو عكس ما قاله أفراد الفصيلة العسكرية التي كانت على جزيرة تيران وقت هزيمة 67، والذين قالوا خلال تحقيق صحفي مهم وخطير أن "اشتباكا تم بين الفصيلة، التي لا يزداد عددها عن ٣٢ جندي وضابط ملازم، وقوة عسكرية "إسرائيلية" استمر لساعة كاملة، استشهد خلاله ثلاثة من الجنود"، وشهادة مخجلة ثالثة من رئيس شعبة المساحة البحرية بالجيش، دافع خلالها عن التنازل عن الجُزر بمبررات مخجلة من قبيل "إن الارتباط الجيولوجي للجزيرتين مرتبط بالساحل السعودي، وأن قربهما من مصر لا يُعطيها الحق في السيادة عليهما"، بل وبلغ بثالثهم -اللواء النائب حسن السيد مساعد وزير الدفاع الأسبق -بالهتاف بسعودية الجُزر ضد من يهتفون بمصريتها، بل واتهامهم بأنهم ممولون ومرتشون للقول بأن تلك الأرض جزء من مصر.
 

شهادات العار تلك لم تكن تكذيباً لآلاف الوثائق والخرائط والمستندات التي تُثبت مصرية الجُزر، ولا تكذيباً للأحكام القضائية التي أقرت بذلك، وإنما أيضاً تكذيباً للعقيدة القتالية للجيش منذ قيامه، والتي كان محورها الدفاع عن الأرض لا العدوان على الغير، وتكذيباً لشهادة ثلاثة من رؤساء أركان القوات المسلحة السابقين "مجدي حتاتة، وحمدي وهيبة، وسامي عنان"، والذين أكدوا بأن تلك الأرض مصرية ولم تكن إلا مصرية.

إن التفريط في جزيرة تيران سيُنهي سيطرة مصر على المضيق ويفتح الباب أمام إسرائيل في إقامة مشروعات بديلة لقناة السويس، وهو ما سيُكبد مصر خسائر فادحة.

إن موقف قيادات الجيش المصري في تلك القضية الخطيرة، يوجب على كل وطني يخاف على بلده كسر ذلك السياج الذي نصبه هؤلاء، حول كل ما يتعلق بتصرفاتهم ومواقفهم التي تضر ضرراً بالغاً بالوطن وبالمؤسسة، تحت شعار "ممنوع الاقتراب أو المناقشة"، وسؤالهم بكل وضوح ما هي العقيدة التي تتبناها المؤسسة الآن بعد التفريط في الأرض والتخلي عن أعظم مهامهم التي هي المُسَوِّغ الوحيد لارتداء الزي العسكري؟

وهل أضحت المشاريع والملايين عقيدة جديدة لهم؟ داعياً كل شريف ووطني داخل الجيش – وهم الغالبية منه – إلى استنكار ما حدث ويحدث من تلك القيادات، والاحتجاج رسمياً على تلك الجريمة المخجلة.