العفن الجامعي

blogs - university
مع نهاية الموسم الدراسي الجامعي أعدت ترتيب أوراق عدة كانت تذهلني في كل مرة، الفكرة ليست أنني أعيش عالما طوباويا مثاليا، وبالتالي يصدمني الواقع، الأمر أن الواقع لم يعد منطقيا، بل أصبح عفنا بما في الكلمة من معنى، وبلغ الأمر إلى أن أصبح أصحاب الضمائر والكفاءات والمبادئ مغيبين نهائيا بسببين: سبب اختياري للابتعاد عن الصدامات التي لن تؤتي أكلها، وصاحبها أكيد حاول وجرب من أجل فرض بعض وجهات نظره التي يراها منطقية أخلاقية، ويعيبها الآخرون – ناعتيه – بأنه إنسان يتطهر!

أما السبب الثاني فقصري وتغييب إجباري برفض ومنع وعدم إعطائه فرص هي حقه، وبالتهديد مرات خاصة إن وجدت له ثغرة أو ثغرتين عفا عنهما الزمن، وأراد الأوبة فسيكون الابتزاز ولاشك. الأمر في الجامعات العربية بات لا يحتمل بأي حال من الأحوال، وتذيلنا قوائم الجامعات وغيابنا عن القوائم نهائيا في أحيان أكثر ليس بسبب انخفاض المستوى التعليمي والنقص الفادح في الثقافة والمعرفة والرغبة العلمية فقط، السبب أكبر من هذا ووراءه خلفيات ثقيلة، فما هذه النتائج إلا أسبابا لمسببات من البديهي جدا أن تمنح هذه النتائج وإلا انتفت حقائق الاستلزام والتكافؤ المنطقي الرياضي.

الوضع بعيدا عن المستوى العلمي هو أن الجامعات ينخرها سوس الفساد، ولكن للأسف هذا السوس في حجم وسم أفعى وأصبح اليوم وقحا ويبدي نفسه جهارا نهارا دون رادع أو خوف أو توجس، بالعكس بمفاخرة وتباهي في إطلاق الاستبداد وإخضاع الجميع لقانون الغاب، إما أن تسير مع الركب أو تقف هناك في ركن لا يراك أحد، فاختر أيهما تفضل الأمر متروك لنوازع النفس حينذاك وكل على ما شب عليه.

هناك محاولات دائمة للضغط على الأستاذ بوسائل مختلفة، أبرزها ضغط أصحاب المراكز المهمة، وبهذا كل شخص يملك قرابة أو عتبة عند هؤلاء يمكن أن يغير قرارات مجالس تأديبية بأكملها.

من أبرز مسببات هذا العفن تغييب الحدود الفاصلة بين المسؤوليات، فللإدارة القدرة على التدخل في أبسط تفصيلات عمل الأستاذ من تقييم منهج وتحديده بأطر لابد أن يلتزمها لا تمت بصلة للعلمية والبيداغوجيا وكأننا في نظام الإقطاع القديم إن لم يكن أسوأ، والمخالف يتعرض للاستفسارات والتقارير ويتم وضعه في خانة "اليك" كما يقال كأن يعطى بعض مواد التدريس التي لا تملك ثقل في المعاملات والوحدات وبالتاي قيم كما تشاء وقل عن المستوى ما تشاء لن يحدث فعلك لأثرا فما بالنا بقولك.

أيضا هناك محاولات دائمة للضغط على الأستاذ بوسائل مختلفة، أبرزها ضغط أصحاب المراكز المهمة، وبهذا كل شخص يملك قرابة أو عتبة عند هؤلاء يمكن أن يغير قرارات مجالس تأديبية بأكملها، وهنا يحدث الحيف فيعاقب أصحاب التهمة الواحدة بمكيالين، أحدهما برئ والأخر مقصي وهذا المنطق البلطجي يظهر في البداية بثياب براقة قبل الكشف عن أنيابه، وهو ديدن كثير من الناس اليوم في جامعاتنا للأسف، والوضع ليس قاصرا على الإدارة ومصالحها ورغباتها وأمانيها في تحقيق النسب الوهمية للنجاح الفاشل الذي لا يولد إلا جهلا يساهم في تدمير المجتمع بمعاول الشهادات الورقية الحائطية وإن كان لها نصيب الأسد بفعل سحر الكرسي.

الفرد كذلك افتقد أخلاقيات كثيرة، أو حاول طمسها في ظل الواقع الضاغط، حيث غابت الأخلاق أو بمعنى أصح، غيبت عن قصد، وقتل الضمير قتلا حتى لا يئن ولا يصرخ، وعميت الأبصار حتى لا ترى الحقيقة، وصمت الآذان حتى لا تسمع الحق، فالعلاقات في الجامعة لم تعد علاقات علمية معرفية واضحة المعالم والحدود فقد دخل الحابل على النابل والعلاقات تجاوزت الحدود الأخلاقية بسبب العلاقات الفاضحة بين الأساتذة والطلبة، التي أفقدت الأستاذ هيبته، والطالب المجد جهده لأن سياسات العلاقات اليوم أصبحت تحت مسميات أخرى خادشة حري بالكل إدراكها.

كما أن طالب اليوم أصبح يستسهل العلم، خاصة أنه يرى نماذج سيئة من القدوات، فباتت وظيفته بدل تحصيل العلم التسول وسؤال الأساتذة إلحافا، نقطة وأحيانا يسأله نجاحا كاملا، دون جهد مبذول ويكون هذا بطيب القول والمدح والهدايا، بمعنى أصح الرشاوي، وإن أبى الأستاذ أو رفض غير القناع إلى التهديد المادي والمعنوي، وقد أصبح هناك مخابرات متخصصة للبحث عن الأساتذة وأحوالهم الاجتماعية والمادية وأين تكمن مواطن ضعفهم.

الفرد كذلك افتقد أخلاقيات كثيرة، أو حاول طمسها في ظل الواقع الضاغط، حيث غابت الأخلاق أو بمعنى أصح، غيبت عن قصد، وقتل الضمير قتلا حتى لا يئن ولا يصرخ.

والأمر سيان للطرف الآخر، فهناك نماذج من الأساتذة يبحثون في فائدة عائلات الطلبة ليروا أيهم يأتي بالنفع الأكبر، وأيهم يملك علاقات متينة في سلالته تسهل عليه أمورا حياتية خارج الجامعة، هذا جانب. الجانب الآخر، أن هناك في الآونة الأخيرة عددا كبيرا من الطلبة الموظفين يمارسون العمل والدراسة بالتوازي، هذه الفئة توزن بالميزان، حسب سلكك الوظيفي وأهميته تنال الرضا.

قل الهواء النظيف الذي يتنفسه صاحب الضمير، مع هذه النماذج الهواء العفن سيطر وضرب بجذوره وأوغل ونسج وكون إمبراطوريات صعبة المراس، لذلك هناك من يطلق على أصحاب اليد في الجامعة بالدينصورات، فإما أن تتخذ سبيلهم أو تحجب عن كل المحافل العلمية والمشاركات الإدارية، وعن المناصب ذات المدخول المادي، فهي حصرا للقرناء، كذلك لابد أن نشير إلى تفعيل الغش عنوة عن أصحاب الضمير بوضع عدد لا متناهي من الطلبة في مكان ضيق، مع عدد ضئيل من الأساتذة بعضهم قلبه حي، وبعض أخر ميت، والأغلب مؤازر للسبيل العفن صاحب الضمير، أستاذا كان أو طالبا أصبح في حالة غبن وحيف شديد أبسط حقوقه لا يحصلها.
 
و لذا ندعو إلى ضرورة هيكلة أخلاق الفرد العربي قبل فوات الفوت، وأظنه فات، ولكن هي محاولة أخيرة لتغيير ما بأنفسنا عل الله يغير حالنا، وسؤالي: أمازال قعر وقاع الأمة العربية أكثر من هذا؟ أشير في الخاتم إلى أن هذا بعض من فيض ما يحدث فقط، الوضع أسوء خاصة لمن يعايشه.