السودان الحائر بين السعودية وقطر

Sudan's President Omar Ahmed al-Bashir looks on during Sudan's Saudi Air Force show during the final training exercise between the Saudi Air Force and Sudanese Air Forces at Merowe Airport in Merowe, Northern State, Sudan April 9, 2017. REUTERS/Mohamed Nureldin Abdallah
منذ أن اندلعت الأزمة الخليجية بين قطر والإمارات والسعودية والبحرين وهي تشكل الهم الأكبر، والمعضلة لدى صانع القرار السوداني، لأن الدولة السودانية لا تريد أن تتخذ موقفا عاطفيا في لحظة انفعال وتندم عليه في وقت لاحق كما حصل في حرب الخليج.

في العقد الأخير من القرن الماضي اندلعت حرب الخليج الثانية بين السعودية والكويت والعراق، وكان للعراق أياد بيضاء على السودان، حيث أنه قدم السلاح والذخيرة التي كان الجيش السوداني في أمس الحاجة إليها ليستكمل حرب الجنوب، والطائرات العراقية كان لها الدور الأبرز في سحق مجموعات التمرد في 1988م، في أطراف النيل الأزرق، وتحديدا مناطق "الكرمك" و"قيسان"، وعندما عمت الفيضانات البلاد كانت الإغاثات القادمة من العراق هي الأكبر والأسرع، بل إن الحكومة العراقية سارعت إلى توصيل الإغاثات بنفسها عبر رميها من الطائرات للأهالي المحاصرين بالمياه.

عندما بدأت أزمة الخليج في التسعينات كان موقف السودان منها هو الدعوة للحوار ومناشدة صدام حسين الانسحاب من الكويت ولكن صدام رفض الانسحاب من الكويت إلا بشروط، والكويتيين والسعوديين طالبوه بانسحاب غير مشروط، وأمام تعنت وغباء صدام تدخل الأمريكيون وقاموا بضرب صدام وأدرك صانع القرار السوداني الهستيريا والانفعال، فانحرف موقفه إلى تأييد صريح لصدام حسين، إلى جانب موقف القذافي والجزائر ويمن علي عبدالله صالح.

كانت العقوبات على السودان واليمن شديدة جدا، حيث رأى الخليجيون أنهم قدموا دعما كبيرا لهما، ولكن السودان واليمن كان لهم موقف الجحود والنكران، واصطفوا مع أكبر أعداء الخليج وهو صدام حسين.

انتهت أزمة الخليج بهزيمة كبرى لصدام وتدمير العراق، واتجه الخليجيون إلى معاقبة الدول التي دعمت صدام، وكان على رأسها السودان واليمن وأما ليبيا القذافي والجزائر دولتان في المغرب وهما في غنى وفي استقرار.

كانت العقوبات على السودان واليمن شديدة جدا،  حيث رأى الخليجيون أنهم قدموا دعما كبيرا لهما، ولكن السودان واليمن كان لهم موقف الجحود والنكران، واصطفوا مع أكبر أعداء الخليج وهو صدام حسين، فعاقبوا اليمن والسودان بحرمانهما من أي مساعدات أو قروض ودعم المعارضات إعلاميا وماديا.

مع الوقت تصالح السودان مع الكويت والإمارات والبحرين، لكن كانت هناك العقبة الكبرى، وهي التصالح مع المملكة العربية السعودية، فلم ترضى المملكة العربية السعودية أبداً على الموقف السوداني من حرب الخليج، رغم أنها سامحت علي عبدالله صالح، وملك الأردن، إلا أنها لم تسامح السودان لدرجة تمثيلها في القمة العربية في الخرطوم في 2006م بوزير العمل الراحل "غازي القصيبي" في إهانة واضحة للدولة المضيفة، فلم يمثل السعودية حتى وزير الخارجية، وكانت قصة منع طائرة البشير من المرور فوق الأجواء السعودية عند سفره إلى طهران لحضور تنصيب الرئيس الإيراني حسن روحاني.

بينما كان هذا موقف الدولة الخليجية الكبرى المتشدد تجاه السودان، كان الموقف القطري المتعاون مع السودان في كل المجالات وإلى حد ما موقف متعاون (تجارياً) من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا، قطر (الصغيرة) في الجغرافيا (الكبيرة) في التأثير كان لها مواقف مشرفة مع السودان في أوقات صعبة، وكانت بلسما يداوي جروحه عبر مؤسساتها الخيرية، كانت في الصف الأول في أزمات دارفور ولاجئي دولة جنوب السودان واللاجئين الإرتريين في السودان، بينما كانت المؤسسات الخليجية الخيرية الأخرى متخاذلة.

الحياد هو أفضل موقف يمكن أن يتخذه السودان في مثل هذا الصراع، وسياسة النأي بالنفس التي اتبعتها الحكومة اللبنانية مع الأزمة السورية ينبغي علينا أن نحذو حذوها.

جمعت قطر بين الفرقاء في دارفور، وشكلت منهم حكومة إقليمية، وحقنت الدماء في هذا الإقليم، بينما كانت دول عربية أخرى يربطها بين السودان الدين والنيل والتاريخ المشترك تتفرج على الحرب الأهلية في الإقليم. بعد سنوات وسنوات من القطيعة، انفتحت العلاقات السودانية السعودية، وتصالحت الخرطوم مع الرياض، وشارك الجيش السوداني في عاصفة الحزم، وانفتحت علاقات السودان مع الدولة الخليجية الأكبر والأقوى، وكذلك انفتحت علاقات السودان مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان لهاتين الدولتين الدور الأكبر في رفع العقوبات عن السودان.

أطلت الأزمة الخليجية الآن على السودان، وعلى السودان أن يختار، مع، أو ضد، والآن السودان يدعو للحوار، ويدعم مبادرة الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت الداعية للتهدئة بين الفرقاء والحوار والمكاشفة، لكن يبدو أن الطرف السعودي والإماراتي حسما أمرهما باتجاه التصعيد مع قطر حتى النهاية، ولن يقبلا بأي حوار، وأخشى أن يجر السودان ويجرجر لاتخاذ موقف في لحظة انفعال، إن هو قطع العلاقات مع قطر، فإنه خسر (الصديق الصدوق)، وإن هو انحاز مع قطر فسوف يخسر من جديد العلاقات مع المملكة العربية السعودية والإمارات، وقد يجد هذه المرة انتقاما منهما شديداً، خصوصا مع سياسات الحزم التي يتبعانها.

الحياد هو أفضل موقف يمكن أن يتخذه السودان في مثل هذا الصراع، وسياسة النأي بالنفس التي اتبعتها الحكومة اللبنانية مع الأزمة السورية ينبغي علينا أن نحذو حذوها، فبلدنا ممتلئ بالمشاكل والصراعات والأزمات، الآن هناك بيانين متناقضين، صدر من أكبر الأحزاب المشاركة في الحكومة المؤتمر الشعبي أعلن اصطفافه مع قطر، وحزب الاتحادي الديمقراطي أعلن اصطفافه مع مصر والسعودية والإمارات، لو قررت الحكومة سلوك أي طريق سوى النأي بالنفس سوف تنفجر حكومة الوفاق الوطني المشكلة حاليا، والتي انتظر السودانيون تشكيلها ثلاث سنوات.