أنتنفس ريح العيد بعد غيابه الطويل؟

BLOGS- لاجئة
منذ بضع سنين لم أشتمّ رائحة الكعك في أحياء مدينتي، كنت واقفة على شرفة المنزل وإذ بالرياح تعبث معي، وريح العيد يتعشق أنفاسي، قد اقترب ميعاده وكأنّني وليد على هذه الدنيا، ما شهدت آلاما ولا أحزانا، كطفلٍ في الماضي كان يعدّ الساعات، يترقب مثل هذه الفرحة، كأنّ الحرب أطفأت نيرانها والدماء اُجتّثت من الأرض وعن الأنظار أهوالها.

كأن السلام بدأ يحيا في سوريا من جديد، و أيّ عيد سيكون لنا ولأولئك الذي يخدعون أنفسهم بترحيبهم ويصنعون كعكه وحلوياته، وما من بيت في مدينتي إلّا وفيه غائب، لكن اليوم مختلفٌ وهذا رمضاننا الأول بعد ستة أعوام، يسلم من دويّ الانفجارات، وهول الطائرات في السماء، هذا رمضاننا الأول الذي قلّ فيه التكبير على أرواح الأبرياء، وصور الرعب والدماء والأشلاء.

رمضاننا الأول الذي يخبرنا أنّنا لن نفطر على هول القتل والدمار، وأنّ العيد سيلقانا ونلقاه في بيوتنا لن يبحث عنّا في غير بلاد، عندما استشعرت قرب العيد نظرت من حولي وحاولت استرجاع صور أعيادنا السابقة، كيف كنّا نتأهب لحضوره، وماذا كنّ نعدّ، ومن كان الأكثر توقاً للقياه؟!

قد أحسسنا بشيء من الأمان بالرغم من أن سيل الدماء ما زال ينزف في بقاع أخرى من بلادي، رغم أنّ بلادي صارت محتلة، لكن الرعب والخوف زال من صدورنا بعض الشيء.

لطالما كان للعيد وقع في النفوس، إن كنت سعيد ازدادت سعادتي بممارستي طقوسه، سيجتمع الأقرباء في بيت جدّي، وسنلتقي بأصحاب باعدت بيننا الأسفار، سيجمع شمل المفترقين، هكذا كانت فرحة العيد، وما كان يُضني النفس فيه إلّا إن أصاب بيت حزن كفقد أحد الأقرباء، فيكون العيد ذكرى مؤلمة، اجتماع ينقصه فرد.

أمّا اليوم فرأينا الأسوأ، وفي كلّ عام منذ ست أعوام ندعوا أن يمرّ علينا العيد بخير، أن نكون في بيوتنا، أن نكون مكتملين، لا قدمٌ تنقصنا ولا يد، أن تسلم أعيننا وأبداننا، يكفينا أن نكون جسدٌ حيّ بعد ما فقدنا كلّ حيّز من أرواحنا وفقدنا فيها الحياة، ولا زلنا ندعوا ونخشى أن تحُلّ فاقرةٌ بنا وأن يزول هذا الهدوء من سماءنا، وان تفرغ اسواقنا مرة أخرى وتختفي الناس وتسقط بيوت غير التي انقضى أجلها.

وماذا عن أطفالنا، أنا حقاً لم أرى طفلا بعمر السادسة في بلادي يعرف معنى العيد، لم أعد أسمع أغاني أطفالنا التي كانوا يطربوننا بها تحية وترحيباً بالعيد، بهجة الأطفال راحت، وأولئك الذين وُلدوا مع هذه الحرب ليسوا مكترثين لأجله، ابن خاله وابن عمّه الذَين في عمره لا يعرف عنهم شيئاً هم في مكان وهو في مكان.

لا يوجد أطفال يشاركهم فرحته يحكي لهم ماذا أهداه والديه، وكان أبوه قد اُستشهد منذ عام، لا أصدقاء في مدرسته يحكي لهم أين أمضى أيام العيد، فمدرسته قد قصفت ومعظم رفاقه غفوا على مقاعدهم دون عودة، ولكنهم ببراءتهم رغبوا بمساعدة أمهاتهم بصنع كعك العيد، ويهيئون أنفسهم لاستقبال طقس جديد ليتعرفوا إليه ليصنعوا منه فرحة وبهجة تليق بالعمر الذي قضوه من قبله.

كأن السلام بدأ يحيا في سوريا من جديد، و أيّ عيد سيكون لنا ولأولئك الذي يخدعون أنفسهم بترحيبهم ويصنعون كعكه وحلوياته، وما من بيت في مدينتي إلّا وفيه غائب.

أحقاً نتنفس ريح العيد بعد غيابه الطويل، أحقاً أرواحنا صارت هشة لدرجة أنها تنتظر نوراً يدفعها لأن تحيا بأبسط شكل من جديد؟ أيزهر شبابنا بعد أن ذبلت فيه الرياحين؟ قد أحسسنا بشيء من الأمان بالرغم من أن سيل الدماء ما زال ينزف في بقاع أخرى من بلادي، رغم أنّ بلادي صارت محتلة، لكن الرعب والخوف زال من صدورنا بعض الشيء.

بعدما اضمحل دوي الطائرات وتلاشى أذاها، يكفينا اليوم وبعد ما شهدناه من ألم أن ننام بسلام أن نصحوا على سلام، لم نعد نبحث سوى عن الأمان والهدوء، أن نستقبل أعيادنا بما تستحق، أن نستقبلها في وطننا لا أن نكون في بلاد غيره، رغم أننا لم نعد ندري إن كانت أرضنا باقية لنا على أعناقنا أم لا، لكن أمِنا أُناسنا أن يبقوا ونبقى نستعيض ما فقدنا، أن نبني على قدر تعلقنا، أن نصنع عيدنا ونُحيي فيه أنفسنا.