شعار قسم مدونات

ضع بصمتك ولا تكن عاديا

blogs - runner

قرأت في ترجمة الإمام النووي علامة الفقه والحديث، فوجدته رحمه الله عاش حوالي 44 سنة، صنف خلالها حوالي 22 مصنفا في مختلف علوم الشريعة، من فقه وحديث وكتب أذكار وغيرها. وعندما ترى ما كتبه الله لكتب هذا العالم الجليل من بقاء وخلود تدرك السبب، ذلك أن مثل هؤلاء العظماء لما صدقوا النية وعاشوا على هدف أسمى جازاهم الله الجزاء الأوفى بحفظ سعيهم وذكر آثارهم لأن الله: لا يضيع أجر من أحسن عملا.

إنه بقدر الجد وعلو الهمة والترفع عن "سفاسف" الأمور تكون النتيجة، ولا نتيجة أكبر من أن يكتب الله سبحانه ما قدمت ويخلد ما كسبت قال تعالى: "وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ". الناس في حياتهم وبعد مماتهم قسمان: منهم "العاديون" الذين يولدون في ظروف عادية ويتلقون تربية عادية بأفكار عادية وطموحات عادية إلى أن يموتون ميتة عادية بلا بصمة ودون أي أثر.

ومنهم من يعيش بهدف يسعى إليه سعي القسورة إلى الحمر المستنفرة، فيجعل لحياته معنى ولوجوده أثر يدل على كده ونصبه. على أنه كلما كانت الغاية أعلى كانت الهمة عالية، مع وجوب استحضار النية الصادقة. يقول ابن القيم رحمه الله: المطلب الأعلى موقوف حصوله على همة عالية ونية صحيحة ،فمن فقدهما تعذر عليه الوصول إليه فإن الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره.

حياتنا من صنع أفكارنا. فما ينقصنا هو اختيار الأنسب من هذه الأفكار، وبقدر حل هذه المسألة تتضح لنا الأمور ونكون بذلك قد وضعنا القدم الأولى على طريق المجد.

ولا ريب أن لا شيء يعطي لحياة الإنسان قيمة كـ "الرسالية" أي أن يكون للإنسان رسالة في حياته يضع من خلالها بصمته، وهدف يجعله نصب عينيه، ينام ويصحو عليه، فيجتهد، يكد ويعمل لتحقيقه. ولما كان: الزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. فينبغي إذن أن تكون الغاية أسمى والهدف ذا قيمة أعلى، حتى إذا مات صاحبه دام أثره بعده ما شاء الله له أن يدوم.

قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". والمتأمل في هذا الحديث الشريف يتبين له بلا شك أن لا مناص لكل فرد من الحرص على تطبيقه وذلك لما يتضمنه من معاني الرسالية فيسعى كل بحسب قدرته إلى العمل به ، فمن كانت له الاستطاعة لأن يترك صدقة جارية يوقفها لوجه الله ولينتفع بها الناس كبناء مسجد يصلى فيه أو أرض زراعية يتصدق بما يحصل منها أو ملجأ للأيتام وما أشبه ذلك فليفعل.

ومن كان من أهل العلم تحصيلا وتأليفا فيؤلف كتبا ينتفع بها المسلمون ويتعلمون منها. وأما من لم يكن لا من هؤلاء ولا من أولئك فليسعى إلى تربية ولد صالح فيكبر هذا الولد وينشأ على الطاعة والعبادة ومعرفة الله والأخلاق الحسنة، فيكون هذا الولد من كسب أبيه يدعو له بعد موته. إن هذا الحديث النبوي الشريف لأكبر محفز للإنسان ليجتهد ويعمل ويضع بصمته ولا يكون فردا عاديا كآلاف غيره.

إن مصيرنا بأيدينا، وحياتنا هي محض اختياراتنا نكتبها بأعمالنا وبأفكارنا. يقول ماركوس أوريليوس أحدد أباطرة الرومان: حياتنا من صنع أفكارنا. فما ينقصنا هو اختيار الأنسب من هذه الأفكار، وبقدر حل هذه المسألة تتضح لنا الأمور ونكون بذلك قد وضعنا القدم الأولى على طريق المجد وخلق البصمة وصنع الأثر.

إنه بقدر الجد وعلو الهمة والترفع عن "سفاسف" الأمور تكون النتيجة، ولا نتيجة أكبر من أن يكتب الله سبحانه ما قدمت ويخلد ما كسبت قال تعالى: "وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ".

وكلما كان تفكير الرجل في هذا كان أهلا لتسميته في زمرة الفئة الناجحين. يقول أمرسون: إذا أخبرتني بم يفكر الرجل أقل لك أي رجل هو، وهل يكون الرجل غير ما هو عليه تفكيره. فمن كان تفكيره في الطعام والشراب والشهوات فذلك شأن كل البهائم، أما الذي يكون تفكيره في إضافة شيء إلى هذه الحياة والإصلاح فيها وصنع المجد فذلك سبيل الرسل والأنبياء والعلماء والعظماء والمصلحون. إنه سبيل هؤلاء الناجحين الذين وضعوا لحياتهم هدف فعاشوا مبدعين فاعلين ومؤثرين، فاجتهدوا وأسهموا بأعمالهم في الرقي بالإنسان على مر الزمان، فخلد التاريخ ذكرهم وكتب القرآن آثارهم وحكي أخبارهم.

غير أن من كانت له همة في اقتفاء أثر هؤلاء وإتباع هذا السبيل عليه أن لا يعتقد البتة أنها طريق سهلة يسيرة، مفروشة بالورود. بل هي طريق التضحية والعقبات لا تدرك إلا بمجابهة المحن وتخطي أشكال من المعيقات. وعلى السالك أن يتحلى بصبر كصبر أولي العزم وعليه أن يدوس الشوك ويحتمل أذاه حتى يصير لوجوده معنى وفي حياته بصمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.