السياحة في الجزائر.. لماذا ليست كباقي البلدان؟

مدونات - الجزائر

تعتبر السياحة أحد أهم القطاعات التي تعول عليها الدول في تنمية اقتصادها الوطني وتنويعه بل تعتبر ركيزة لاقتصاديات بعض الدول، كيف لا وهي تعد واحدة من أكثر الصناعات نموا باعتبارها مصدرا للعملات الصعبة ومجالا كبيرا لتشغيل اليد العاملة وبالتالي زيادة في الدخل الوطني، وبالرغم من هذه الأهمية التي يكتسيها هذا القطاع، إلا أن دولة بحجم قارة كالجزائر لا تزال تراهن على عائدات النفط والمحروقات في بناء اقتصادها الوطني والذي تتراجع أسعاره يوما بعد الآخر في الأسواق العالمية.

وفي هذا الصدد أذكر جيدا خبرا قرأته في أحد الصحف يقول أن عدد الجزائريين الذين غادروا الوطن الصائفة الماضية من أجل السياحة قارب عددهم 4 ملايين شخص.. قد لا تكون هذه الاحصائيات دقيقة، لكن رقم كبير ومخيف كهذا يجعلنا نستغرب ونتساءل لمحاولة معرفة الأسباب والخلفيات التي تجعل المواطن الجزائري يترك شواطئ بجاية الجميلة وسكيكدة الساحرة ووهران الخلابة وشواطئ جيجل ومستغانم والقالة.. وغيرها من الشواطئ التي تمتد من الشرق إلى الغرب على شريط ساحلي طوله أكثر من 1200 كلم ويفضل تونس والمغرب وتركيا ومؤخرا إسبانيا التي أصبحت منذ سنوات الوجهات السياحية المفضلة لدى الجزائريين على اختلاف مستوياتهم المادية والاجتماعية.

عن أي سياحة نتحدث وأنت تدخل الفندق أو المطعم والنادل نادرا ما يبتسم في وجهك، وأنا هنا لا أعمم ولكنها حقيقة نابعة من التكوين النفسي للفرد الجزائري نتيجة الصدمات والضغوط التي تعرض لها ولا يزال؟!

البعض يتحدث ويقول أن هذه الإحصائيات خاطئة أو ربما مبالغ فيها، ولكن عندما تتحدث الأرقام يجب أن نزيل الغبار عن أنفسنا ونقولها صراحة وبصوت مسموع: أين يتجه قطاع السياحة في الجزائر؟؟
البعض من الناس يتهم الحكومة ويقول أنها السبب في تردي السياحة في الجزائر بمشاريعها الوهمية ووعودها الزائفة بإنعاش القطاع رغم الملايين التي تصرف هنا وهناك من أجل ذلك، والبعض الآخر يرد ويقول أن الدولة الجزائرية غير مهتمة بقطاع السياحة على الأقل في الوقت الراهن بل بالعكس هي منشغلة بمكافحة الإرهاب الذي يهدد أمن واستقرار الجزائر، منشغلة بمحاربة البطالة وإسكان الشعب كي لا يثور ضدها، منشغلة بإجراءات التقشف وترشيد النفقات تفاديا للأزمة التي تلوح في الأفق القريب جدا والتي ظهرت بوادرها جليا بعد المصادقة على قانون المالية 2017، الحكومة الجزائرية أو بالأحرى النظام الجزائري حاليا منشغل بمن يحكم وبالصراعات السياسية والمصالح الاقتصادية الضيقة في ظل الفوضى العجيبة غير المسبوقة التي نعيشها اليوم .

عن أي سياحة نتحدث وأنت تدخل الفندق أو المطعم والنادل نادرا ما يبتسم في وجهك، وأنا هنا لا أعمم ولكنها حقيقة نابعة من التكوين النفسي للفرد الجزائري نتيجة الصدمات والضغوط التي تعرض لها ولا يزال منذ تسعينيات القرن الماضي وعشرية دم ونار رمت بشظاياها كذلك على السياحة بعد أن كرست فكرة أن الجزائر بلد غير آمن والتي تسببت في عزلة دولية كبيرة لها آنذاك.. عن أي سياحة نتحدث والشواطئ استولى عليها مجموعة من العاطلين كما يحلو للبعض أن يسميهم والذين يفرضون عليك أن تدفع وتدفع وتدفع وتظل تدفع وكل هذا مقابل خدمات هزيلة لا ترق للمستوى بل وأحيانا يعتدون عليك لفظيا وربما جسديا إذا لم ترضخ لمطالبهم التي لم ولن تنتهي وسط غياب تام لرقابة الدولة .

بلد مثل الجزائر قوة إقليمية يمتلك كل المؤهلات لو كان هناك رغبة حقيقة في النهوض بقطاع السياحة، ألا يوجد لدينا سوى الشواطئ؟! فلدينا سياحة دينية من مساجد عريقة وجميلة في الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة وغيرها، لدينا كنائس عتيدة من أيام الاحتلال الفرنسي، لدينا زوايا وأضرحة ومقامات، ليس هذا فحسب.. لدينا سياحة تاريخية فآثار الرومان مترامية من تيبازة وشرشال وصولا إلى تيمقاد وجميلة … لدينا سياحة طبيعية وهي الأجمل في دول شمال أفريقيا من جبال وشلالات ومنابع وحمامات.. لدينا الصحراء الساحرة التي تشكل غالبية مساحة الجزائر المليئة بالواحات والآثار التي تعود لما قبل التاريخ.

ربما المشكلة فعلا في الحكومات الجزائرية المتعاقبة منذ الاستقلال التي لم تكن لديها إرادة سياسية ورؤية حقيقة لبعث قطاع السياحة وتطوير الاستثمار فيه لتعزيز عناصر الجذب السياحي في بلد يمتلك كل المقومات

لدينا مدينة عتيقة وعريقة مصنفة ضمن التراث العالمي اسمها القصبة هي اليوم أشبه بالمفرغة العمومية رغم محاولات الترميم وحملات التنظيف التطوعية التي يقوم بها شباب الفيسبوك من حين إلى آخر .كيف نريد أن ننهض بقطاع السياحة في الجزائر وتوجد تيارات دينية متطرفة وهي كثيرة تعتبر السياحة كفر ورجس من عمل الشيطان بحجة الخمور والعري والملاهي ضاربين بالحريات الشخصية عرض الحائط ونسو أن السياحة تمثل مرتكزا لاقتصاديات بعض الدول كالشقيقة تونس.

هل تكمن المشكلة فعلا في المواطن الجزائري الذي لا يمتلك ثقافة سياحية حيث يعمل طول السنة ويوفر من أجل قضاء العطلة مع عائلته على غرار شعوب العالم أم أن المشكل في التنشئة الاجتماعية التي كرست على مدى عقود رفض الآخر وعدم الاعتراف به لدرجة التكفير والإقصاء، أو ربما المشكلة فعلا في الحكومات الجزائرية المتعاقبة منذ الاستقلال التي لم تكن لديها إرادة سياسية ورؤية حقيقة لبعث قطاع السياحة وتطوير الاستثمار فيه لتعزيز عناصر الجذب السياحي في بلد يمتلك كل المقومات، والاستثمار هنا لا يقتصر فقط على أموال رجال الأعمال وقروض البنوك من أجل بناء مركبات وقرى سياحية وفنادق بمواصفات عالمية وإنما يشمل كذلك الاستثمار في العنصر البشري وهو الشباب بكل أطيافه سواء البطال أو المتعلم وغيره كي لا تصبح السياحة حكرا على فئة وفئة أخرى لا.

ربما لو نعثر على إجابة لكل هذه التساؤلات أمور كثيرة ستتغير ولو أن الواقع المعيش بكل تفاصيله ومعطياته يقول عكس ذلك لأنه لا يمكن الحديث عن تطوير قطاع مهم وحساس كالسياحة بدون وجود استراتيجية فعالة وطموحة وحقيقية تحاكي التجارب الناجحة للدول التي سبقتنا في هذا المجال وقطعت أشواطا مهمة فيه، لأنه إذا ما تمت مقارنة حجم الاستثمارات هناك بالإنجازات التي تم تحقيقها هنا على ارض الواقع في الجزائر وبالنظر إلى عدد الكفاءات ومساحة البلد والإمكانيات المادية فإن المقارنة لن تكون في صالحنا بدون شك.