كرة القدم.. ومخدرات أخرى

كذبوا علينا حين علمونا أن القنب الهندي والكوكايين والحشيش وغيرها من المواد هي الأنواع الوحيدة للمخدرات. حيث أنه إذا وقفنا بمسافة، ولو بمقدار ميليمترات عن واقعنا، ستبدو لنا أنواع أخرى منها تحقن في أجسادنا وعقولنا. لتنقلنا من حالة إلى أخرى، تلهينا كالرضيع بأصوات الموسيقي، وحركة الألعاب فوق سريره. وعند انتهاء مفعولها نعود لنعايش مآسينا والتي تكون أكثر تأزما بعامل الزمن الذي قضيناه ونحن تحت تأثير حقن أنظمتنا السياسية ومؤسساتنا الإعلامية. كثيرة هي المخدرات الموجودة في حياتنا، والتي يكمن خطرها الحقيقي في كونها لا تصنف كمخدرات، ولا يتم مكافحتها، ولا حتى معاقبة من يتعاطاها. 

كرة القدم تبدو أحد أخطر أنواع المخدرات الموجودة في عالمنا المعاصر، تدخل كل بيت، تخترق كل العقول، وتعبر كل المجالات من اقتصاد، وسياسة، وحتى دين. قليلون هم من يمكنهم مقاومة هذا المخدر القوي. والذين يبدون غريبين عن مجتمعهم، وحتى أقاربهم. أن يوجد ابن لا يحب الكرة في الأسرة أمر غريب، لدرجة أن حبها والتفاعل معها أصبح أحد معايير الرجولة يعني لكي تكون رجلا في عيون زوجتك يجب أن تقضي الليل كاملا مقابل التلفزيون، وأنت تصرخ وتسب وتشتم لاعبين متوسط دخلهم الشهري يساوي مجموع سنين عمل حياتك. تنتهي المباراة فتعود أنت إلى بؤسك ويعودون هم إلى رفائهم. لكن يجب أن نفهم شيئا، حب كرة القدم وغيرها من أنواع الرياضة ليس عيبا، لكن الاستسلام لها والتخدر بها، والانفصال عن الواقع المعاش حبا فيها، يبدو شيئا من الغباء والجنون.

الساسة لا يتخذون من كرة القدم مخدرا وفقط، بل يستعملونها كوسيلة لتجييش المشاعر الوطنية. فحتى تلك الأنظمة الأكثر استبدادا التي تتوجس من تجمع أربع اشخاص في الشارع، تسمح باحتفال عشرات الآلاف في الساحات العامة إذا تعلق الأمر بفوز فريق أو أخر

يحب الساسة كرة قدم كثيرا، لكن أغلبهم لا يشاهدونها، يحبون فيها قدراتها التخديرية التي لا توجد في أخطر أنواع المخدرات، ولا أجود أنواع النبيذ، كرة القدم تملك القدرة على فصل الإنسان عن واقعه الملموس، وتثبت فيه دون أن يدري مشاعر انتماء لجماعة متخيلة تتجسد في فريقه المفضل، سواء كان منتخبا وطنيا، أو نادي تابع لدولة أجنبية. الساسة مستفيدون في كلتا الحالتين سواء فاز الفريق المفضل لشعوبهم أم خسر، فان فاز ستعم مشاعر الرضا على السلطات السياسية التي تنسب اليها نصر ذلك الفريق حتى ولو كان يلعب في قارة أخرى، وإن خسر فان مشاعر الإحباط ستبقي المواطن مخدرا وغير قادر على الحركة ولا الكلام، وأي حركة قد تحدث في الفضاء العام يتم نقلها إلى مدرجات الملعب. بحيث لا شيء يمثل المجتمع العربي وديناميته أحسن من الملعب، فريق خاسر، وفريق رابح، ومتفرج خاسر في كلا الحالتين.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد. فالساسة لا يتخذون من كرة القدم مخدرا وفقط، بل يستعملونها كوسيلة لتجييش المشاعر الوطنية. فحتى تلك الأنظمة الأكثر استبدادا التي تتوجس من تجمع أربع اشخاص في الشارع، تسمح باحتفال عشرات الآلاف في الساحات العامة إذا تعلق الأمر بفوز فريق أو أخر. من هنا انتقل معيار الوطنية من الخروج للفضاء العام بحثا عن حل لقضية مجتمعية تهم الوطن ككل، إلى ملء الشوارع بمشاغبي الملاعب والمخدرين بجرعات زائدة من كرة القدم، إلى درجة تصل حد الموت في كثير من الأحيان، كثيرون هم من أصيبوا بسكتات قلبية عقب هدف لاعبيهم المفضلين.

 

والذين لا يمانع الإعلام في الترويج لهم باعتبارهم الوطنيون الوحيدون، في زمن ضاع فيه تعريف الوطنية، بين كره الآخر، والتعصب، والانتحار أين لا يجب ذلك، فمن يعارض السلطة السياسية خدمة للصالح العام هو خائن، وعميل، ومن يموت بسبب لعبة، أو من يملئ الشارع بالصراخ، والملاعب بأعمال العنف هو الوطني والمواطن الصالح. 

هناك جهود منهجية، وغير ظاهرة، لهندسة جيل عربي غير مسيس، لا يبال بشكل النظام السياسي، وطرق انتقال السلطة فيه، وتوازناته وعلاقاته بالمجتمع وبالخارج. بقدر ما يبالي بأمور أقل حيوية. جيل لا يعرف شيئا عن السياسة، ولا يريد أن يعرف، جيل قايض سيادته، برفاه حقيقي أو متخيل. جيل يقف حائرا ومعجبا أمام ميسي وكرسيتيانو، ولا يقلق للحظة من تزايد الفقر، وغياب الديمقراطية، وتفشي الاستبداد في مؤسسات الدولة.

 

يجب إعادة الشباب إلى الأمة حتى لا يضيعوا منا. وتحويل طاقتهم التي تسرقها الملاعب إلى خدمة المجتمع والصالح العام. على الشباب أن يستفيق ويفهم أن الحياة أولويات وأن كرة القدم ماهي الا تفصيل مجهري فيها

جيل لا يعرف الراية والنشيد الوطنيين إلا في مباريات كرة القدم، ولا يتظاهر إلا تعبيرا عن فوز فريقه، ولا يصرخ إلا عندما يسجل هدفا، ولا يغضب إلا عندما يخسر. جيل مبرمج على أن يكون مخدرا، تائها، وضائعا بين واقع متأزم حقيقي، وواقع وجماعة متخيلين نسجهما احباطه وضياعه، يرى في ربح فريقه ربحه، وفي خسارته خسارته، الأمور بخير مادامت برشلونة رابحة، والأمور في أسوء حالاتها حين تخسر.

تشجع الأنظمة السياسية التماهي في حب كرة القدم، إلى درجة الشيزوفرينيا. لكنها من دون أن تدري، خلقت لنفسها منافسين في الولاء والنفوذ، بحيث يصبح مؤتمر صحفي للاعب أوروبي. أهم من اجتماعات مجلس الوزراء، وحتى خطابات الحكام. يتحول الفرد في المنطقة العربية تدريجيا من مواطن بالولاء لجماعة وسلطة سياسيين، وإقليم وطني الى مواطن بالإقامة فقط. بحيث غرست في ذهنه جميع المنبهات المشوشة، عدا منبه الانتماء والمساهمة في المجال العام. السياسة في المنطقة العربية لا تصنع أمة، وإنما تصنع أناسا أشبه برفقاء الغرف، تجمعهم الجغرافيا وتفرقهم العاطفة. أناس لا يجمعهم شيء سوى أن القدر أوجدهم على أرض واحدة مع الآخرين، أناس يمحي الأنا فيهم النحن دون ضجيج، ودون شعور بالمأساة.

يجب إعادة الشباب إلى الأمة حتى لا يضيعوا منا. وتحويل طاقتهم التي تسرقها الملاعب إلى خدمة المجتمع والصالح العام. على الشباب أن يستفيق ويفهم أن الحياة أولويات وأن كرة القدم ماهي الا تفصيل مجهري فيها. وأن مستقبله مرتبط بمستقبل من حوله. ومساءلة من يحكمه.



حول هذه القصة

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن على واشنطن احترام وحدة الأراضي السورية والتنسيق مع موسكو ، وذلك بعد إسقاط الولايات المتحدة مقاتلة تابعة لقوات النظام السوري بريف الرقة الجنوبي.

19/6/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة