المرأة بين سدنة الحداثة وما بعدها

لا تغيب المرأة عن الحمولة الرمزية للحداثة والعلمانية، بل هي في صميمها. تمثل رواية انعتاق النساء شعاراً عريضاً ضمن مقولات الحداثة، فتأتي المرأة ضمن تجلياتها المرئية والمحسوسة؛ فيجري التعامل معها في هذا المقام بصفتها مساحة تعبير عن الحداثة، أكثر من الرجل. كما يتجلّى هذا المنزع في التجسيد التصوّري للعلمانية، فالمرأة "المنعتقة" هي بهذا المفهوم "مُنجَز علماني"، فلا يمكن استبعادها من بعض المواد ذات الطابع الدعائي التي تسعى للتعبير عن العلمانية في الواقع الاجتماعي.

 

وإذ هي مادة اشتغال دعائية فإنّها تغدو تحت الملاحظة والمراقبة أكثر من الرجل، حتى تجري المرافعات عنها وتُخاض الحملات باسمها، وقد يتم تنصيب نساء للتعبير عن المرأة ليكتمل إخراج فعل المصادرة واحتكار النموذج.

 

قد تبلغ نزعة وصاية بعض أدعياء الحداثة والعلمانية على المرأة حدّ سنّ قوانين تسعى لتقييد اختياراتها في اللباس مثلاً، لأنه تعبير مادي عن المرأة أو تجسيد مرئي لها في منطق الفعل التصوري أو الاستعمال الدعائي المفعم بالرمزية. وليس من فراغ أن يقع تصنيف ستر الشعر بأنه "رمز"، بما يوحي ضمناً في هذه السردية أنّ كشفه هو فعل رمزي نقيض أيضاً.

 

عنف رمزي بحق المرأة

ثمة أنظمة تعلن الولاء للحداثة والعلمانية تمارس عنفاً رمزياً على المرأة، وقد تُوقِع العنف المباشر عليها بقوة القانون وأنظمة الجزاء أو بإجراءات الضبط الإدارية في مجتمع يتذرّع بالحداثة وباسم مؤسسات تتستّر بالعلمانية. لا يخلو التطبيق من حرمان نساء من كسب الرزق مثلاً، أو حجب امتيازات عنهن، لأنهن لا يخضعن لمعايير تم فرضها باسم الحداثة والعلمانية. تندرج ضمن هذا المنحى قوانين وإجراءات في بلدان أوروبية مكرّسة لمنع توظيف نساء في مواقع تدريس ووظائف عمومية، بدعوى أنّ شعورهن مستورة بقطع قماش. وقد امتدت حمّى الحظر إلى منع النساء من الاستلقاء على الشاطئ ما لم يتجردن من ملابسهن بأمر من رجال الشرطة الذكور، طبقاً لواقعة مشينة على شاطئ فرنسي شاهدها العالم في صيف 2016. كما تجري بطرق ناعمة وغير ملحوظة إعاقة الصعود الاجتماعي لمن يُعتقد أنهن لا يخضعن لمقولات نحتها حرّاس المعبد الحداثي، أو أنهن لا يمتثلن لشعارات صاغها حاملو مباخر العلمانية.

 

قد يحشد بعض مبارزي الحداثة أو فرسان العلمانية شعاراتهم وراياتهم لخوض المعارك، كما يقع في مواسم الجدل الأوروبية التي تتأجج فيها خطابات تضرب الحقوق بالحقوق والحريات بالحريات والقيم بالقيم، ليس فقط على أساس ميزان محدّد للمفاضلة المنطقية أو التعسفية في مرتبة كل منها، بل حتى بضرب القيمة بذاتها أو وضع المقولة في مواجهتها هي هي. بات مألوفاً في هذا المنحى أن يقع القضم من حقوق المرأة باسم حقوق المرأة، وأن يجري التعدِّي على حريتها باسم حريتها.

 

وما هو من ذلك أفدح؛ أن تُستَعمل القيمة الأدنى في مواجهة القيمة الأعلى، فثمة أنظمة تعلن ولاءها للحداثة وتتذرّع بالعلمانية تشنّ الحرب باسم مقولاتها وشعاراتها، فتنتهك الحق في الحياة باسم قيمة أدنى منها منزلة. ولا ينبغي نسيان تلك القيم الحداثية المجيدة التي استعملتها إمبريالية الغزو العسكري والحروب الاستباقية خلال حملات إشعال الحرائق عبر العالم الإسلامي في بواكير هذا القرن. فباسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وباسم تحرير المرأة أيضاً؛ تم إشعال حرائق لم تنطفئ بعد. لقد عمدت منظومة دعائية اشتغلت لتبرير غزو أفغانستان في خريف 2001 إلى استعمال المرأة مادة ذرائعية، فتحركت حملات كان بعضها بتدبير دوائر مقرّبة من إدارة بوش، لتسويغ تلك الحرب عبر تعميم مشهد البرقع الأفغاني الذي "يستحق نجدة العالم". وباسم تلك الحرب سحقت قوات أطلسية أعداداً هائلة من الأفغانيات بغارات عمياء على القرى المحجوبة عن الوعي الأممي، دون أن تنتفض أبدان أولئك الذين تذرّعوا بالمرأة لشنّ الحرب.

 

كما اهتدت خطابات الكراهية إلى وصفتها "الحداثية" المثلى، بتسويغ ذرائعها بغلاف من قيم الحداثة ومقولات العلمانية. وقع استعمال حرية التعبير في سبيل المساس الفظ بمشاعر المسلمين والمسلمات والنيل من مقدساتهم، على نحو ما كان يقع مع يهود أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين. فما شهدته أوروبا عبر سنوات عشر من موجة رسوم الكراهية والاستفزاز الموجهة ضد المسلمين، من "يولاندزبوسطن" الدانمركية حتى "شارلي إيبدو" الفرنسية، كان في الواقع حملة إذلال تصويري مكثفة احتمت بشعارات حرية التعبير. وكثيراً ما وقع استعمال صور ورسوم تشير إلى نساء مسلمات في هذه الحملات.  

 

وليس بعيداً عن ذلك تتوسّع تيارات فاشية وعنصرية وأحزاب من أقصى اليمين في توظيف مقولات حداثية، من قبيل حقوق المرأة، في صدارة دعاية الشحن والتعبئة التي تطارد بها المسلمات والمسلمين في مجتمعات أوروبا. ولا أصدق تعبيراً عن هذا المنحى من حظر المآذن في سويسرا عبر استفتاء شعبي، بعد حملة ضارية اتخذت من رسم كريه لامرأة مسلمة منقّبة شعاراً لها.

 

الحداثة وما بعدها

إذ تطوِّر الحداثة أو العلمانية الأنظمة؛ فلن تزهد مؤسسات وصناعات تتذرّع بها أو تزعم الانتساب إليها، في استعمال فنون الهيمنة على الوعي لإخضاع الجمهرة، سعياً للتحكم ببعض اختياراتها أو توجيه بعض تفضيلاتها. وستعلن الجمهرة أنها تمضي في المسالك بإرادتها المحضة واختيارها المستقلّ، وستتباهى بما تنعم به من حرية. يقع هذا كله في نطاق الحداثة أو العلمانية، بشعاراتها المعهودة ومقولاتها التقليدية، فما يكون الحال مع نسبيّة الشعار وسيولة القيم وتضعضع المقولات واضطراب التأويلات ضمن هلامية ما بعد الحداثة ومنزعها التفويضي ومآلها العدمي؟!

 

تتجاوز المجتمعات مع هذا الطوْر من السيولة حتى ذلك الانفصام بين الدال والمدلول لأنها لن تعود قادرة على ضبط الدال ولا تعريف المدلول؛ فكلاهما يسيل ويضمحلّ

فإن كانت المرأة حاضرة في الحداثة، فإنّها مُلغاة تقريباً فيما بعدها، إذ تتلاشى الأنثى في "النوع الاجتماعي" حتى تكاد تغيب تماماً، وقد يُطلب منها بالتالي أن تتماهى مع نقيضها لأنه، هو الآخر، قد أُخرج عن التعريف، ولكنّ التعريف "الذكوري" الضمني باقٍ في التصوّر وعلى أنثى الأمس أن تتلبّسه وتتقمّصه باسم انفلاتها من قالبها السابق. إنه منحى تذكير الأنوثة وتأنيث الذكورة، وانسياح مفهوميْ الأمومة والأبوَة. فتتجاوز المجتمعات مع هذا الطوْر من السيولة حتى ذلك الانفصام بين الدال والمدلول لأنها لن تعود قادرة على ضبط الدال ولا تعريف المدلول؛ فكلاهما يسيل ويضمحلّ، وإن اكتسب ثباته فإنه كناية عن ارتكاس عن النهج الجديد أو قصور في الالتزام به.

 

يصبّ بعض أدعياء الحداثة أو العلمانية قالبهم النمطي، فيؤدي هذا إلى ارتدادات عكسية ساذجة، من قبيل أنّ المرأة التي لا توافق هذا القالب مشكوك باشتمالها بعباءة الحداثة أو العلمانية، فهي خارجة عن المثال فلا تسري عليها امتيازات الحداثة أو العلمانية ولا تستحق أن تحظى بوعودها، أو أنها رجعية، متخلفة عن الركب، بما قد يقضي بعزلها وتركها، أو مباشرة الأخذ بيديها على نحو تعليمي وتوجيهي فوقيّ، كي تتقدم بلا مناقشة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة